
ي لحظات الصمت الطويلة… حين يهدأ كل شيء حولي، وأبقى أنا وأفكاري وجهًا لوجه، يمرّ أمامي مشهد غريب…
أرى البشر جميعًا كالأطفال.
نعم، نحن… بأسمائنا الكبيرة، بملابسنا الفاخرة، بوجوهنا التي جفّفها العمر… لسنا سوى أطفال تاهوا في أزياء الكبار.
ما الفرق بيننا وبينهم؟
لو فتّشنا قليلًا، لوجدنا أننا ما زلنا نقف معهم على ذات العتبة… عتبة الحيرة.
أسئلتهم هي أسئلتنا، لكننا نحاول تغليفها بورق فخم، وإخفاء جهلنا بكلمات متأنقة.
الطفل يسأل عن القمر: من جاء به ليضيء لنا؟
يسأل عن الجد الذي رحل: إلى أين ذهب؟ وهل يعود؟
عن الأخ المولود: أين كان قبل أن يولد؟
عن الشمس: كيف تعرف طريقها إلينا كل صباح؟
عن البرق والرعد: من يطرق الباب بهذه القوة؟
ونحن… نُجيبهم بجُمل نحفظها، وكأننا نحمل مفاتيح الكون في أيدينا، بينما الحقيقة أننا نمشي في الظلام معهم، لكننا نضع على وجوهنا أقنعة العارفين.
ما الفرق؟
الطفل يتمسّك بلعبته وكأنها كنزه الثمين، ونحن نمسك ممتلكاتنا وكأنها حياتنا، نخاف أن تمتد إليها يد غيرنا.
الطفل ينتزع لعبة أخيه بعناد، ونحن ننتزع الأرض والثروة والسلطة بلا رحمة.
الطفل يصرخ غاضبًا، ونحن نطلق الرصاص، ونحرق المدن، ونغرق السفن.
الطفل يرمي حصاة صغيرة على من أغضبه، ونحن نرمي القنابل وكأنها ألعاب نارية في سماء أعدائنا.
الطفل يكذب خوفًا من عقاب أبيه، ونحن نكذب خوفًا من فقدان عروشنا.
الطفل يغش ليجتاز امتحانًا قصيرًا، ونحن نغشّ في امتحان الحياة بأكملها، ثم نزهو بأننا ناجحون.
نحن لم نكبر… نحن فقط استبدلنا لعبتنا بأخرى أكبر، واستبدلنا صراخنا بخطابات رسمية، واستبدلنا عصانا البسيطة بترسانة أسلحة.
تخيل عالمًا من الأطفال… لكنهم يظنون أنهم حكماء الأرض.
يمشون بخطوات واثقة فوق رمال هشة، يتنافسون على من يملك أغلى لعبة، وأكبر قطعة حلوى، وأجمل بيت من الرمال.
يتشاجرون على ألوان البالونات، وحين يغضبون… يرمونها في وجه بعضهم حتى تنفجر.
أليس هذا هو عالمنا؟
حين كنت صغيرًا، كنت أظن أن الكبار يعرفون كل شيء… وأنهم يملكون الإجابات كلها.
لكنني حين وقفت بينهم، اكتشفت أنهم يعرفون أقل مما كنت أظن… وأنهم تائهون مثلنا تمامًا، لكنهم يخفون تيههم بخطوط العبوس، وأوراق القوانين، وأختام السلطة.
الحقيقة أن الفارق ليس في السن، ولا في عدد الشموع على الكعكة، بل في الروح… والروح، في أغلبنا، توقفت عن النمو منذ زمن بعيد.
صرنا نخاف أن نبدو ضعفاء، فارتدينا دروع القسوة، ونسينا أن الطفولة لم تكن عيبًا، بل كانت أنقى مراحلنا.
عصرنا هذا قتل إنسانيتنا، لكنه تركنا أحياءً بأجسادنا… نمشي ونتكلم ونبتسم، لكن شيئًا في أعماقنا مات أو نام طويلاً.
صرنا نحسب أن الكِبَر يعني القوة والسيطرة والانتصار… بينما الحقيقة أن الكِبَر الحقيقي هو أن تكبر محبتك، رحمتك، صدقك… أن تكبر إنسانيتك قبل أن يكبر جسدك.
نعم… نحن أطفال، لكننا لم نعترف بعد.
نمشي في الطرقات بثياب الكبار، لكن خطواتنا الصغيرة تفضحنا.
نحتاج أن ننظر في المرآة… لا لنهرب من الطفل الذي بداخلنا، بل لنتعلم منه كيف نندهش من القمر، ونحزن على الجد، ونضحك بلا سبب، ونخاف من الرعد… لكن دون أن نفجر القنابل.
فهل نملك الشجاعة لنعود أطفالًا… لكن هذه المرة، أطفالًا يعرفون أن القوة ليست في حجم السلاح، بل في حجم القلب؟