
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وابتلاه بالصحة والمرض، وجعل في البلاء حكمةً ورحمة، والصلاة والسلام على من كان رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن خدمة المريض ورعايته ليست مجرد وظيفة مهنية أو واجب اجتماعي، بل هي عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وساحة عظيمة لتجديد الإيمان، وتزكية النفس، وتعلّم الصبر والرحمة. فمن يقف على سرير المريض لا يرى مجرد جسد متعب، بل يشهد قدرة الله في خلقه، وضعف الإنسان مهما بلغ من قوة، ويستحضر أن الصحة والعافية من أعظم النعم التي لا تُقدّر بثمن.
المريض حين يئنّ من وجعه، يذكّر الأصحاء بنعمة العافية التي ينسونها مع كثرة الانشغال. ورعاية المريض هي باب من أبواب الشكر لله، وفرصة لمراجعة النفس، وإدراك أن ما نحن فيه من صحة وقوة هو عطاء مؤقت قد يُسلب في لحظة. فالمؤمن الحقّ من يجعل من خدمة المريض وسيلة لشكر الله على عطاياه، ومجالًا لتجديد النية والإخلاص.
إن القرب من المريض يعلّم الإنسان دروسًا عميقة: يعلّمه الصبر وهو يرى معاناة المبتلى، ويعلّمه التواضع وهو يشاهد عظمة الله في تدبير خلقه، ويعلّمه الرحمة إذ يُدرك أن المريض في لحظات ضعفه أحوج ما يكون إلى كلمة طيبة أو ابتسامة صادقة ترفع معنوياته. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يُرحم»، فكيف بمن جعل حياته طريقًا للرحمة وخدمة المحتاجين؟
خدمة المريض أيضًا تربية للنفس على الإخلاص. فالعامل في هذا الميدان قد يُخفي تعبه وضيقه ليظهر للمريض بوجه بشوش وصدر رحب، محتسبًا عمله لله، مدركًا أن تفريج الكربة عبادة. وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». فما أعظمها من منزلة حين يُكتب للعبد أجر تفريج الكربات، وهو يؤدي عمله اليومي في صمت وإخلاص.
ثم إن خدمة المريض تُوقظ القلب الغافل، فالمشاهد اليومية للأوجاع والأمراض تجعل الإنسان أكثر قربًا من الله، وأكثر وعيًا بحقيقة الدنيا الفانية. فمن رأى مريضًا مقعدًا بعد عافية، أو جسدًا ضعيفًا بعد قوة، استيقن أن الحياة زائلة، وأن ما يبقى هو العمل الصالح. وهنا يكون الميدان الحقيقي لبناء اليقين والتزود للآخرة.
كما أن رعاية المريض مدرسة في القناعة، إذ يرى الخادم أو الممرض أو الطبيب أن كل ما يملكه الإنسان من جاه أو مال قد لا يحول بينه وبين لحظة ألم أو ابتلاء. عندها يتعلم أن العافية لا تُشترى بالمال، وأن السعادة الحقيقية ليست في كثرة الممتلكات، بل في رضا الله، وفي القدرة على إسعاد الآخرين ومواساتهم.
ولا شك أن إدخال السرور على قلب المريض من أحب الأعمال إلى الله. فكلمة لطيفة قد تعيد الأمل، وابتسامة صادقة قد تخفف ألمًا، ودعاء من القلب قد يرفع معنويات مريض أرهقه الداء. ولذا فإن خدمة المريض ليست في الدواء والعلاج وحدهما، بل في الرحمة الصادقة، والمشاركة الوجدانية التي تشعر المريض بأنه ليس وحيدًا في معركته مع المرض.
وفي هذا كله يتحقق المعنى العميق للتكافل في الإسلام، إذ يجعل الله خدمة المريض عبادة، ويجعل من المجتمع جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
فليست خدمة المريض مجرد مهمة وقتية، بل هي مجال واسع للتقرب من الله، وفرصة لتربية النفس، وتجديد الإيمان، وكسب الأجر العظيم. ومن رحم الناس رحمه الله، ومن فرّج كربة عن أخيه فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
فلنجعل نيتنا في خدمة المريض خالصة لله، ولنجعل من هذه الخدمة وسيلة لنشر الرحمة، وتذكيرًا بنعمة العافية، وزادًا للدار الآخرة. نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا رحيمة، وأعمالًا خالصة، وأن يجعلنا ممن يخدمون خلقه ابتغاء وجهه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.