
تراهم أسرابًا تملأ السماء خفّةً وانطلاقًا، كأنهم قصائد حيّة تُتلى عند الشروق البديع وعند الغروب الحزين. في حضورهم يتسلل إليك شعور بالحرية، كأن أرواحهم المرفرفة تهمس في داخلك: انطلق، واسعَ، وابذل جهدك كما نسعى نحن في فضائنا كل صباح.
تذكّرك أعشاشهم الصغيرة أن السكينة لا تُصنع في القصور ولا تُشترى بالمهابة، بل تُولد من لحظة بسيطة مفعمة بالصدق، من بيت متواضع، من انطلاقة صافية نحو حياة بلا قيود.
طيور الفجر هذه، حين تغني، توقظ في أذنك موسيقى لا تُشبه شيئًا آخر؛ تنقلك من ضيق الأرض إلى رحابة كونٍ مضيء، فتغدو أنت المستمع أسيرًا لذلك العالم المسحور حيث لا حدود إلا النور. وحين يجتمع تغريدهم كجوقة واحدة، لا تدري أيُّهم بدأ وأيّهم ختم، كل ما تدريه أن الفجر أشرق بصوتٍ عذبٍ يلامس قلبك كما لو كان دعاءً جماعيًّا للشمس كي تشرق.
وعند الغروب، يعود الغناء محمّلًا بالوداع، كأن الطيور تشارك السماء حزنها على رحيل الشمس. أصواتها تذوب في الأفق كسيمفونية شجية، تُذكّرك بفقدٍ بعيد أو بحبيبٍ غاب، فتستيقظ في داخلك لواعج الأشواق وحرقة الوداع.
أما حين تتأملهم في رحلاتهم البعيدة، تراهم في وحدة لا تنفصم: يشربون معًا، يأكلون معًا، ويهاجرون معًا. في كل عام يطيرون من بردٍ إلى دفء، ومن قسوةٍ إلى رحمة، وكأن أجسادهم الصغيرة تعرف سرّ الحياة: أن “النحن” أقوى من “الأنا”، وأن القلوب إذا اجتمعت صارت أقدر على مواجهة المصاعب. ربما لهذا تراهم يحلقون في عالم السلام، يفتحون سماءه بأجنحةٍ موحّدة كأنها توقيع واحد على عقد الوجود.
وأعشاشهم، وحركاتهم الأولى، تعيدك طفلًا صغيرًا يجرّب انطلاقته الأولى في الحياة؛ تُذكّرك ببراءة البدايات، حين كان العالم بسيطًا قبل أن تكسوه تعقيدات الكبار. وكأن في رقصاتهم الأولى مرآةً لطفولتنا المختبئة، نراها صافيةً أحيانًا، مشذبةً أحيانًا أخرى، أو مبتورة حين أفسدتها قيود المجتمع.
ولعل أجمل ما يميّز هذه الكائنات ليس فقط تغريدها، بل سعيها الدائم. كلما رفعت رأسك إلى السماء وجدتها منهمكة، تجتهد لرزقها بجدٍّ لا يعرف الكلل، كما يفعل عمال الأرض حين يكدّون لبناء وطنهم والبحث عن لقمة الحياة.
لكن الحرية… آه ما أجمل حريتهم! تراهم يعانقون فضاءً لا نهاية له، فتشعر بمرارة إن كنت محبوسًا خلف جدران، كعصفور في قفص يتلفّت إلى السماء بلوعة، يحدّق في قلبه بحسرة، ويبتلع غصّته في صمت.
وحين تطيل النظر إليهم، تشعر أنك تغرق في عالم آخر؛ لا تعلم هل هو أسطورة حيّة أم حقيقة تراها عينك؟ تختفي الأشياء من حولك ولا يبقى إلا أنت والطيور، تسبحان معًا في فضاءٍ لا بداية له ولا قرار.
إنهم بهذه الأجساد الصغيرة، والأرياش الناعمة، والأصوات التي تنساب عذوبة، يهبون الحياة درسًا خفيًا: أن الجمال في البساطة، وأن السلام في المشاركة، وأن الحرية أغلى ما يمكن أن يُهدى للروح. ومع كل صباح يطلّ ومع كل جناح يُرفرف، توقظ الطيور في داخلك طاقات الخير، وتذكّرك أن الحياة أجمل حين تُعاش بأمل وانطلاق.