
حين يمدّ الليلُ أهدابَه السوداء، ناسجًا من خيوط العتمة عباءةً واسعة تستر الأرض والسماء، تتسلّل يدُ السكون لتداعب أوتار القلوب، كعازفٍ يسكب لحنه على قيثارةٍ لا يملك نغمها إلا الليل. عندها يشرع الصمت في الغناء، فيرسم لوحةً من ضياءٍ خفيّ، تتدلّى على أطرافها قمرٌ لؤلؤي، يوشّيه نورٌ فضّي ناعم، ويطرّزه نقاءٌ ساكن يشبه الحلم.
يمدّ القمر أشعته كطفلٍ مشاكسٍ يعبث بظلال الأرض، وفي الوقت ذاته كملكٍ مترفٍ يفيض بالكبرياء. تتلقّفه قلوبٌ أنهكها الانتظار، وصدورٌ ضاقت بزفرات الأحزان اليومية، فتخرج آهاتها كما لو أنها اعترافات سرية تكتب على جبين الليل، بصماتٍ تبقى شاهدةً حتى على ليالٍ قادمة.
لكن أيّ ليل هذا؟
إنه طويلٌ على المتأملين، يتباطأ في مسيره كأنه يمنحهم فسحةً أوسع للغوص في أعماقهم. وهو عذبٌ شفيفٌ للروح التي تجد فيه سلوى، ورهيبٌ مخيف للمرضى والعاشقين، يضاعف وجعهم ويختبر صبرهم. الليل مرآة، يريك صورتك كما أنت: بردًا وسكينةً، أو جرحًا يتفاقم مع السكون.
ومع ذلك، يظل الليل أكثر من مجرّد ظلام؛ إنه لوحة جمالٍ ودفء، يضيء بنوره الخفي دروب من يعرف كيف يصالح نفسه، ويجلس راضيًا في حضرة الخالق الكريم. فتصير ساعاته مذكراتٍ محفورة في الصفحة الأولى من كتاب الحياة، نستدعيها كلما أثقلتنا المتاعب، لتذكّرنا بأن وراء كل عتمة شعاع أمل يتربّص ليضيء.
الليل نغمةُ أملٍ تُعزف في ساعة عسرة، نسمةُ عطرٍ تفوح وسط وجومٍ خانق، فيمدّنا برشفة نورٍ تفتح أمامنا مسلكًا لم نكن نراه. في كل يوم يزورنا، لكن صورته لا تثبت؛ تتغيّر كما تتغيّر قلوبنا. تارةً يبدو دواءً لجرحٍ قديم، وتارةً يغدو مرآةً لدمعةٍ تتوهج عند أطراف العين، دمعة قد تكون طريق العودة إلى الله، بعد طول شرودٍ وتيه.
إنه الليل… ليس فقط زمنًا نعيشه، بل معراجًا خفيًا لأرواحنا؛ ينسف بضربات هدوئه صخب النهار، ويغسل قلوبنا بدمعٍ يتطهر، ويعيد إلينا شيئًا من صفاء ضاع وسط زحام الأيام.
👍👍
إعجابإعجاب