دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

حوار مع البحر

جلس العاشق عند ضفاف البحر، وقد أنهكته خطى الأشواق حتى بلغ إليه، فتنفّس بعمق كأن صدره يودّ أن يفرغ ما تراكم فيه من زفرات الأيام. حدّق في الأفق ثم قال:

العاشق:
يا صاحبي… أيها البحر الذي طالما حمل همومي وأسراري…
لقد أضرّ بي ما أجد من هوى، وأتعبني ما أجنّ من شوقٍ لا يهدأ.
فاعذرني إن جئتك الليلة ببوحي، فقد آثرتك دون سائر الورى، لأنك وحدك من يصغي دون أن يقاطع، ويحتوي دون أن يلوم.

البحر (بصوتٍ خفيّ يشبه هدير الموج):
بوحك إليّ مأمن، وهمّك عندي يجد مكانه.
قل، فكم من عاشقٍ جلس مثلك على شاطئي، فرمى إليّ بدموعه، وغسلني بحسراته، فحملتها في مدّي وجزري إلى حيث يشاء الله.

العاشق:
يا صاحبي… كعادتي آتي إليك مثقلاً بالشكوى، أودعها بين أمواجك كما يودع الطفل رأسه في حضن أمّه.
أبحث فيك عن نسمة حانية تُربّت على قلبي، فتخفّف عنه ما لا يطيق.
لطالما أتيتك مثقلاً، وخرجت من عندك أخفّ قلبًا، كأنك تمتصّ منّي الحزن وتعيده في شكل موسيقى تردّدها أمواجك.

البحر:
أتعلم؟ إنّ تقلب وجهي ليس إلا صدى لآهات العاشقين وزفرات المشتاقين.
كل موجة فيّ تحمل شكوى، وكل زبدٍ يطفو إنما هو بقايا صراعٍ بين قلبٍ جريحٍ وأملٍ يتشبّث بالحياة.

العاشق:
صدقت… إن فيك سرّ الشوق، يا بحر.
فها أنا أذوب كل يومٍ في ذكرى من أحب، كأن روحي تحتضر كلما حال بيني وبينها الفراق.
آهٍ ما أمرّ الشوق!
كلمة تحمل في طيّاتها العذوبة والمرارة، الفرح والحزن، اللقاء والغياب.
به نحيا وبه نموت، وبه نفرح وبه نبكي.

البحر (بهدوء):
ألست ترى أنك بي تشبه نفسك؟
ألست تراني أبكي عند الغروب حين تفارقني رفيقتي الشمس؟
حين تغيب عني يعلو مَدّي كدموعٍ منهمرة، وأغدو مائجًا كقلبٍ ثائرٍ على الفقد.
أفتظن أني لا أعرف الشوق؟

العاشق (مندهشًا):
أحقًا أيها البحر؟!
إذن أنت تفهمني…
أنت تبكي لفراق الشمس، وأنا أبكي لفراقها… معشوقتي التي إن غابت انطفأت الدنيا، وإن أشرقت أزهرت روحي.
فهل أستطيع يومًا أن أبثها مشاعري كما أبثها لك؟
هل أقدر أن أصف لها لحظة لقائنا، حين تتعانق أرواحنا كما تعانقتَ أنت والسماء في ذلك اليوم الماطر؟

البحر (يعلو هديره كأنها نغمة مطمئنة):
كل لقاءٍ يحمل في طيّاته وعدًا بعد طول صبر.
أتذكر يوم جاءتك الغيوم وأمطرت سمائي؟
كنتَ واقفًا على شاطئي، تحلم بلقياها، فجمعتُ لك مشهد السماء والأرض في حضنٍ واحد.
ألم يمنحك ذلك اليوم صبرًا على طول الفراق؟

العاشق:
بلى… يومها أحسست أن الزمان قد توقّف، وأني صرت جزءًا من وعدٍ غامضٍ يلوّح لي بلقياها.
لقد كنتَ يا بحر شاهدًا على غربتي، وكنتَ المرآة التي أرى فيها حنانها، بل كنتَ أحيانًا صورتها التي أسقط عليها خيالاتي.
فإذا سكنتَ، ذكّرتني بعينيها الهادئتين؛ وإذا تلاطمت أمواجك، رأيت فيهما دلالها الغاضب، فإذا غضبتْ ثار الزمان معها، حتى لو لم يدرِ لِمَ يغضب!

البحر:
الحب يا صاحبي نارٌ وماء.
نار تحرق القلب بالغياب، وماء يروي الروح باللقاء.
وأنت أسير الاثنين معًا، فلا أنت تبرأ من لوعة الفقد، ولا أنت تخلو من حلاوة الرجاء.

العاشق (وقد اغرورقت عيناه):
ما أجمل وصفك أيها البحر…
هي حقًا كذلك.
فما أشرقت في سماء أحلامي يومًا إلا وارتويت من نورها، وما غابت إلا وعطشت روحي حتى كادت تذبل.
أتعلم؟ ربما تقف الآن حيث أقف، وربما تبثك كما أبثك أنا، وربما تشكو إليك ذات الشوق.

البحر (بابتسامةٍ من زبد):
ومن يدري؟ قد يأتي يومٌ تجتمعان فيه عندي، فأكون شاهد اللقاء كما كنت شاهد الفراق.
وحينها، لن أتوانى عن أن أبوح لها بما أسررت إليّ عنها.

العاشق (ممسكًا بكفّيه، كأنه يعاهد البحر):
أتعدني يا صاحبي؟
أتعدني أن تحفظ لي سري حتى تلقاها؟
فإن جئنا معًا يومًا، فقل لها إنني كنتُ هنا، أملأ سمعك بهمسي عنها، وأرسم في أمواجك صورتها، وأسكب في مَدّك دموعي.

البحر (هادئًا):
أعدك يا عاشق…
فالبحار لا تخون العشاق، بل تحفظ لهم أسرارهم في أعماقها، حتى إذا شاء الله جمع بينهم على شاطئها.


🖋️ انتهى الحوار وقد صار البحر مرآةً للشوق، وصار العاشق ظلًّا للموج. كلاهما يحمل همّ الفقد، وكلاهما يحيا على وعد اللقاء.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة