
كيف نصل إليهم؟
إذا كنا قد عجزنا – أو لم نُوفَّق بعد – في الوصول إلى بعض شرائح المجتمع، فليس ذلك مدعاة لليأس، بل دعوة للتأمل وإعادة النظر. فربما كان الخلل في خطابنا لا في المخاطَبين، وربما كان الطريق الذي سلكناه لا يوصل، وإن كان صالحًا لغيرهم. عندها يصبح لزامًا علينا أن نعيد رسم خارطة الخطاب، وأن نستحضر من الحكمة ما يُلائم اختلاف النفوس وتنوع المشارب.
الخطاب – أيًا كان – ليس صنمًا جامدًا، بل كائن حيّ يتشكل بحسب حاجات الناس، ويتلون بما يفتح الله من أبواب التأثير. وحين نغيّر أساليبنا، فإننا لا نُغيّر الحقائق، بل نفتح لها منافذ جديدة كي تلامس القلوب. ألسنا نؤمر في الحكمة بأن نختار “أخف الضررين”، وأن نُجيز المباح إذا كان يمنع من الوقوع في المحرم الذي لا خلاف على تحريمه؟ تلك قاعدة راسخة، وهي من مفاتيح الرحمة في الدين: أن تضع الإنسان في موضع النجاة، حتى لو كان ذلك عبر طريقٍ أبسط وأقرب.
خذ مثلاً: لو وُجّهت الطاقات الشبابية إلى الرياضة الذهنية والفكرية، كان ذلك خيرًا لهم من أن تُستنزف أعمارهم في لهوٍ رخيص، أو أن تتبدد أيامهم في ملاحقة نزوات عابرة، أو السقوط في وحل الإدمان ومجالس الخنا. ليست الرياضة هنا مجرد لعبة عقلية، بل هي سياج يقي الروح من التشتت، ويمنحها بوصلة جديدة إلى العلو.
ومن الأمثلة أيضًا: أن نلجأ – في بعض المواعظ أو اللقاءات العامة – إلى شيء من العامية، لا تفضيلاً لها ولا دعوة لاعتمادها، بل من باب التيسير على العامة، ومن أجل أن ينفذ الكلام إلى أعماقهم بلا حواجز لغوية. فالمقصد ليس أن نُضعف الفصحى، بل أن نُقوي أثر الخطاب ونُقرب المعاني من القلوب. على أن يكون ذلك خيارًا مرحليًا لا قاعدة دائمة، واستثناءً لا أصلاً.
وهكذا، تتوالى الأمثلة وتتفرع الرؤى: كلما تغير الأسلوب وتهيأ الخطاب، زادت مساحات الخير الممكنة. إن الوصول إلى الناس لا يكون دائمًا بما نحب نحن، بل بما يفهمون هم. والحق يبقى حقًا، لكنه يحتاج إلى لسان حكيم، وإلى قلب يعرف كيف يطرق الأبواب برفق، وإلى عقل يدرك أن الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها التقطها.
فإن كنا جادين في إصلاح الناس، فلنُحسن الإصغاء إلى نبض قلوبهم قبل أن نخاطب عقولهم، ولنُدرك أن كلمة الحق قد تُزهَر إذا قيلت بصدقٍ، لكنها تُثمر إذا قيلت بحكمة.
والله المستعان، وعليه التكلان.
وختامًا… أسأل الله أن يجعلنا مفاتيح خير، مغاليق شر، وأن يكتب لنا بصدق النية أثرًا، وبحكمة الكلمة قبولاً