
كل مصائب الدنيا من “أمريكا”!
من المؤسف حقًا أن ترى أقوامًا من المثقفين، أو من يُظن فيهم الحكمة والعقل، قد اختزلوا الواقع السياسي وتشابكاته المعقدة في سبب واحد، وأصل أوحد: أمريكا.
فكل مصيبة عندهم من أمريكا، وكل نكبة وراءها يدٌ أمريكية، حتى لتكاد تظن أن بقية القوى الدولية والإقليمية، بل حتى أدوارنا نحن كأمم وشعوب، قد مُسحت من مسرح التاريخ، وصارت أمريكا وحدها كائنًا أسطوريًا يخطط وينفذ، ويُحرك الخيوط كلها.
ولست أنكر أثر أمريكا العميق في صناعة أحداث العالم، فهي القوة الكبرى التي ورثت قيادة المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي فرضت نفوذها على السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة. لكن تحويلها إلى “شماعة” تُعلَّق عليها كل الهزائم والمآسي إنما هو ضرب من السذاجة، أو على الأقل راحة نفسية تعفي الإنسان من مواجهة نفسه ومجتمعه.
سمعت أحدهم – وكان يتحدث بيقين لا يداخله شك – يقول: “الأمريكان هم الذين صنعوا جمال عبد الناصر، وهم الذين قتلوا السادات، وهم وراء إعدام سيد قطب، وهم من صفّى تورغوت أوزال لأنه بدأ يتحدث عن مشروع يهدد مصالحهم”. ثم أخذ يعدد قائمة من الاغتيالات والانقلابات، جاعلًا أمريكا العامل الوحيد الذي يفسر كل شيء.
لكن هذا النمط من التفكير، إن صار أصلًا لا يُناقش، يفضي إلى نتائج خطيرة: فهو أولًا يلغي أي دور للفاعلين الآخرين في الداخل والخارج، وكأن أعداءنا لا يُحصون ولا يُعدّون. وثانيًا، يُبرئ ساحتنا نحن كشعوب من كل مسؤولية عمّا يجري لنا، وكأننا أبرياء ملائكة هبطت علينا النكبات ظلمًا دون ذنب ولا تقصير. وثالثًا، يجعل وعينا السياسي واهنًا، عاجزًا عن إدراك تعقيدات الواقع وتشابك المصالح، فنُصاب بالعمى عن مكامن الخلل الحقيقية.
إن حصر الشر كله في أمريكا يُنتج عقلية الكسول؛ عقلية تفتش عن متهم جاهز، فترتاح من عناء المحاسبة والتفكير، ثم تمضي لتكرر الأخطاء نفسها. هذه العقلية – من حيث لا تشعر – تمنح الغطاء لكل الاستبداد الداخلي، ولكل صور الفساد، ولكل عجز إداري أو سياسي، لأنها تُعفي الجميع من المحاسبة: “لسنا السبب.. أمريكا وراء كل شيء”.
ثم إن في هذا التصور تبسيطًا مخلًا لطبيعة العلاقات الدولية. السياسة ليست مسرحًا أحادي البطل، بل هي شبكة مصالح متداخلة، تتحكم فيها قوى متعددة: إقليمية ودولية، رسمية وغير رسمية، اقتصادية وثقافية وفكرية. نعم، أمريكا تملك نفوذًا واسعًا، لكنها ليست الإله الذي يُدبر الكون. حولنا روسيا والصين وأوروبا وإيران وتركيا، ولكلٍ أجندته ومصالحه، بل حتى داخل بلادنا هناك فاعلون مؤثرون من نخب سياسية واقتصادية وأمنية، يُشكلون جزءًا من المشهد. تجاهل كل هؤلاء، والتركيز على عدوٍ واحد، يُعمي البصيرة ويجعلنا فريسة سهلة لخصوم آخرين.
إن الوعي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالمسؤولية. حين نُقر أن لنا دورًا في ما أصابنا، وأننا لم نُحسن بناء قوتنا الداخلية، ولم نحافظ على وحدتنا، ولم نُصلح أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، آنذاك فقط نكون على طريق الفهم. أما حين نُسلم عقولنا لأساطير المؤامرة المطلقة، فلن نجني سوى الغفلة، حتى إذا داهمنا العدو من حيث لا نحتسب، وجدنا أنفسنا بلا حصون.
الحذر لا يعني نفي التآمر، ولا إنكار مكر الأعداء، لكنه يعني ألا نُحوِّل ذلك إلى شماعة تُعلق عليها كل خطايانا. في القرآن نفسه حديث عن كيد الأعداء: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”. لكن مع ذلك، لم يُعفِ الله المؤمنين من المسؤولية عن ضعفهم وهزائمهم: “قل هو من عند أنفسكم”.
لذلك، فإن أخطر ما يُصيب الأمة ليس قوة عدوها، بل غفلتها عن نفسها. أمريكا قوية، نعم. اليهود مكروا، نعم. لكن الأخطر أن نبقى نحن في دائرة الإنكار، نُبرئ ذواتنا، ونُفسر التاريخ تفسيرات سهلة، ونهرب من مواجهة الحقيقة المُرة: أن ضعف الداخل هو ما يستدعي تغوّل الخارج.
نسأل الله السلامة والعافية، وأن يفتح لنا من البصيرة ما نميز به الحقائق من الأوهام، وأن يحمي بلادنا من كل شر وسوء.