
اغتنم غناك قبل فقرك
الغنى في عيون الناس غالبًا يُقاس بالذهب والفضة، بالبيوت الفارهة والحسابات الممتلئة. لكن النبي ﷺ قلب هذه الموازين حين قال: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غِنى النفس». فالغنى الحقيقي هو أن تستغني بالله، وأن يطمئن قلبك بما قسمه لك، فلا يضطرب جشعًا ولا يتلوّى حرصًا.
ومع ذلك، يبقى المال رزقًا جعله الله وسيلةً لا غاية، وأمانةً لا مُلكًا مطلقًا. والعبد مأمور أن يغتنم غناه قبل أن يُبتلى بفقرٍ يضيّق عليه، فيجد نفسه عاجزًا عن عمل كان ممكنًا في أيام السَّعة.
كم من غنيٍّ أنفق في سبيل الله فخلّد الله ذكره، وصارت أمواله صدقات جارية تتدفق حسناتها في صحيفته وهو تحت التراب. وكم من آخر قُبض ماله قبل أن يفتح له باب الصدقة، فندم حين لا ينفع الندم. ولنا في عثمان بن عفّان رضي الله عنه أعظم المثل، إذ بَذل ماله في تجهيز جيش العسرة، حتى دعا له النبي ﷺ بقوله: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم». فالغنى حين يُستثمر في سبيل الله يصبح طريقًا إلى الجنة.
أيها القارئ، اسأل نفسك: ماذا صنعت بمالك؟ هل هو مطيّة إلى الآخرة، أم حبل يشدّك إلى الأرض؟ إن للمال فتنة لا ينجو منها إلا من عرف أنه عارية مستردّة، ووسيلة مؤقتة. وقد حذّرنا الله بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. فمن غلبته فتنة المال صار عبدًا له، يبيت مهمومًا بجمعه، ويستيقظ قلقًا على حفظه، حتى يلقى الله صفر اليدين.
الغنى أيضًا ليس دائمًا. كم من غنيّ أصبح فقيرًا بين عشية وضحاها، وكم من صاحب تجارة واسعة لم يبق له في النهاية سوى قوت يومه. الفقر والغنى جريان بأمر الله، وما أشد حسرة من أُعطي الغنى فلم يستعمله في الخير، حتى إذا سُلب، تمنى لو عاد به الزمن لينفق درهمًا في سبيل الله.
ثم إن الغنى درجات: غنى العلم، غنى النفس، وغنى المال. ومن جمعها كلها فقد أوتي حظًا عظيمًا. لكن لا عذر لمن جمع مالًا ولم يسخّر منه نصيبًا للآخرة. فالمال بلا بركة هباء، والمال بلا صدقة وبال. قال النبي ﷺ: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟».
أيها الغني بعافية أو مال أو جاه، اجعل غناك قوة لغيرك. ساعد فقيرًا، علّم جاهلًا، ادعم يتيمًا، وابنِ وقفًا يُكتب لك أجره بعد موتك. إن المال الذي تُخرجه لله هو وحده ما يبقى لك، أما ما تجمعه وتُكدّسه، فسيكون لورثتك. تأمل قول الله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فهل بعد هذا من حجة؟
واعلم أن غناك اليوم قد يكون امتحانًا لك، كما أن فقر غيرك امتحان له. فمن شكر النعمة أن تُسخّرها في الطاعة، ومن كفرانها أن تستعملها في معصية. وما أعظم قول عمر بن عبد العزيز: «إن الدنيا ليست ببقاء، وإنما بقاء العمل فيها، فاتقوا الله عباد الله في عاجل الدنيا، وآجِل الآخرة».
فاغتنم غناك قبل فقرك، واسعَ أن يكون مالك سُلّمًا إلى رضوان الله، لا قيدًا في رجليك يجرّك إلى عذابه. اجعل الغنى وسيلة، لا غاية، وتذكّر أنك ستُسأل يوم القيامة: «عن مالِه من أين اكتسبه وفيم أنفقه».
إن الغنى الحقيقي ليس أن تملأ خزائنك، بل أن تملأ قلبك يقينًا، ويدك عطاءً، وصحيفتك حسنات. فكن غنيًا بالله، تسعد في الدنيا، وتفوز في الآخرة.