
العلم بنور التوحيد: الشرط الأول من لا إله إلا الله
حين نتحدث عن كلمة التوحيد، فإننا لا نتحدث عن مجرد لفظٍ يردده اللسان، بل عن عقيدة تعمر القلب، ووعيٍ يُنير البصيرة، ومعرفةٍ تُحدد اتجاه الإنسان في حياته كلها. الشرط الأول من شروط “لا إله إلا الله” هو العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا؛ أن يعرف المسلم يقينًا أنها ليست كلمة عابرة، بل ميثاق عظيم يقوم على نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وإثبات العبادة لله وحده لا شريك له.
لقد جاء القرآن الكريم واضحًا في تقرير هذا الشرط، قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19].
فهو أمر بالعلم قبل القول والعمل، إذ لا قيمة لعبادة بغير معرفة، ولا معنى لشهادة تُقال باللسان بينما القلب غافل عنها.
العلم هنا ليس حفظًا جامدًا ولا ثقافة نظرية، بل هو إدراك يترتب عليه عمل، وفهم يثمر سلوكًا. قال ابن سعدي رحمه الله: “العلم لا بد فيه من إقرار القلب بمعنى ما طُلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه”. فالعلم بـ”لا إله إلا الله” يقتضي أن يعلم العبد أن الله وحده هو الخالق، الرازق، المدبر، الذي له كل الكمال، وأن غيره عاجز فقير لا يستحق ذرةً من العبادة.
ومن السنة النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة” [رواه مسلم].
وهذا الحديث العظيم يبين أن النجاة مرهونة بالعلم بمعنى الكلمة، وليس بمجرد النطق بها.
أبعاد العلم بالتوحيد
للعلم بمعنى “لا إله إلا الله” أبعاد متعددة، يمكن أن نجملها في نقاط:
- العلم بنفي الشرك: أن يدرك العبد أن الأصنام والقبور والنجوم وكل ما يُعبد من دون الله باطل لا يملك ضرًا ولا نفعًا.
- العلم بإثبات العبادة لله: فكما أنه لا شريك له في الخلق والرزق، لا شريك له في الدعاء والذبح والسجود والرجاء.
- العلم بأن التوحيد دعوة الرسل جميعًا: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
- العلم بأن التوحيد حياة: فهو الذي يحرر القلب من عبودية البشر، ويُخرج الإنسان من ضيق العبودية للمخلوق إلى سعة العبودية للخالق.
لماذا قُدم العلم على بقية الشروط؟
لأن الجهل بالتوحيد أصل كل انحراف وضلال، ولأن من جهل حقيقة “لا إله إلا الله” قد ينطقها وهو يظن أن معناها مجرد الاعتراف بوجود الله، بينما معناها أعمق: نفي الألوهية عمن سواه وإثباتها لله وحده. ولهذا كان أول ما نزل في مكة هو الدعوة إلى العلم بالتوحيد، ولم تُفرض الشرائع إلا بعد أن استقر العلم في القلوب.
آثار العلم بـ”لا إله إلا الله”
- ثبات القلب: فالمؤمن إذا علم أن الله وحده النافع الضار، اطمأن قلبه في الملمات، ولم تهزه الشبهات.
- سلامة العمل: إذ لا يقبل الله عملًا بلا توحيد ولا توحيد بلا علم.
- نور الهداية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257].
خلاصة
العلم بشرط “لا إله إلا الله” هو الخطوة الأولى على طريق النجاة. إنه علمٌ يملأ القلب إيمانًا، ويُضيء للعقل طريقًا، ويهدي الجوارح إلى الطاعة. هو علمٌ يورث اليقين، ويثبت الأقدام على الصراط، ويجعل المسلم لا يعبد إلا الله، ولا يسجد إلا له، ولا يرجو إلا إياه.
فمن أراد أن تكون شهادته حقًا، فليبدأ من هنا: أن يعلم يقينًا أن “لا إله إلا الله” تعني نفي كل معبود باطل، وإثبات الألوهية لله الحق وحده. حينها فقط تتحول الكلمة من لفظ على اللسان إلى نورٍ في القلب، وحياةٍ تغير مسار الإنسان كله.