
اليقين الذي لا يعرف الشك: الشرط الثاني من لا إله إلا الله
إذا كان العلم بمعنى كلمة التوحيد هو الخطوة الأولى، فإن الخطوة التالية هي اليقين. فالعلم بلا يقين قد يختلط بالشكوك، أما اليقين فهو العلم الراسخ الذي لا يزعزعه ريح ولا تزلزله شبهة. وهو الشرط الثاني من شروط “لا إله إلا الله”، الذي يجعل الإيمان صادقًا لا تشوبه ريبة.
قال تعالى في وصف المؤمنين:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15].
فالآية تُقرن بين الإيمان واليقين، وتبين أن الريبة علامة على النفاق.
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة” [رواه مسلم].
فاليقين شرط لقبول الكلمة، وأي تردد أو شك ينافي حقيقتها.
معنى اليقين
اليقين هو كمال العلم الذي لا يتطرق إليه شك، ولا يداخله تردد. وهو الإيمان الجازم الذي يملأ القلب، ويترجمه العمل والسلوك. قال العلماء: “المرتـاب منافق، والمؤمن الصادق لا يعرف قلبه إلا الطمأنينة بوعد الله ووعيده”.
اليقين لا يعني الغفلة عن الابتلاء أو عدم مواجهة الشبهات، بل يعني أن هذه الشبهات لا تؤثر على إيمان العبد، لأنه ثابت كالجبل.
كيف يتحقق اليقين في “لا إله إلا الله”؟
- بالتفكر في أسماء الله وصفاته: فكل اسم من أسمائه الحسنى يرسخ اليقين أنه لا معبود بحق إلا الله.
- بمعرفة دلائل الخلق والتدبير: النظر في الكون والأنفس يقود إلى إدراك أن الله وحده المدبر.
- بالتأمل في النعم: إذ لا منعم سوى الله، ومن عرف النعمة عرف المنعم.
- بالتاريخ والقصص القرآني: الانتصار لأهل التوحيد، والهلاك لأهل الشرك، من أعظم دلائل اليقين.
- بمعرفة بطلان الأنداد: فالأصنام لا تنفع ولا تضر، والعقل السليم يشهد أنها لا تستحق سجودًا ولا دعاءً.
ثمار اليقين
اليقين ليس مجرد شعور داخلي، بل له ثمار تظهر في حياة المؤمن:
- الثبات على الدين: فالمتيقن لا يتزعزع أمام المغريات أو التهديدات.
- الطمأنينة النفسية: إذ يعلم أن قدر الله نافذ، فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا إياه.
- الاستعداد للجهاد والتضحية: كما وصفت الآية المؤمنين أنهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم بعد أن امتلأ قلبهم باليقين.
- النجاة يوم القيامة: لأن اليقين يجعل الشهادة صادقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة” [رواه مسلم].
لماذا يضعف اليقين عند البعض؟
- الغفلة: كثرة الانشغال بالدنيا تُنسي القلب حقائق الإيمان.
- الشبهات: إذا لم يتسلح العبد بالعلم، قد تتسلل إلى قلبه شبهات المضلين.
- المعاصي: فهي تظلم القلب، وتضعف نوره، حتى يصبح غير ثابت.
ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على تجديد الإيمان وتقوية اليقين، فيقولون: “تعالوا نؤمن ساعة”. أي نراجع قلوبنا ونجدد يقيننا.
أثر اليقين على حياة المسلم
المسلم إذا استقر اليقين في قلبه عاش مطمئنًا مهما تغيرت الظروف. قد يفتقر لكنه لا يجزع، قد يمرض لكنه لا ييأس، قد يواجه الظلم لكنه لا ينكسر؛ لأنه يعلم أن الله هو الحق، ووعده حق، والجنة حق، والنار حق.
اليقين يجعل المؤمن يواجه الشدائد بعزيمة، ويقف أمام المغريات بزهد، ويثبت على الطريق حتى يلقى الله وهو موقن أن لا إله إلا الله.
الخلاصة
الشرط الثاني من شروط “لا إله إلا الله” هو اليقين، الذي يجعل الإيمان صلبًا لا تهزه الشكوك. وهو ثمرة العلم الراسخ، والتفكر في دلائل التوحيد، والعيش مع القرآن والسنة.
فمن أراد أن يكون من أهل الجنة، فليحرص أن يلقى الله بكلمة التوحيد مستيقنًا بها قلبه، لا يشوبه شك ولا تردد. حينها يصبح الإيمان طمأنينة في القلب، وقوة في السلوك، ونجاة عند الله.