
الإخلاص سر النجاة: الشرط الثالث من لا إله إلا الله
من أعظم ما تحتاجه كلمة التوحيد لتثمر في حياة المسلم وتفتح له أبواب الجنة هو الإخلاص؛ ذلك الشرط الذي يجرد القلب لله وحده، ويطهر العبادة من شوائب الرياء والشرك. الإخلاص هو الشرط الثالث من شروط “لا إله إلا الله”، وهو المعيار الفاصل بين عملٍ يرفع صاحبه إلى أعلى الجنان، وعملٍ يُرد على صاحبه ولو كان ظاهرُه حسنًا.
قال تعالى:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3].
وقال أيضًا:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
وجاء في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه” [رواه البخاري].
وقال أيضًا:
“إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله” [رواه البخاري ومسلم].
معنى الإخلاص
الإخلاص في اللغة: التصفية.
وفي الشرع: تصفية القلب من كل قصد سوى الله في العبادة، فلا يُراد بها سمعة ولا جاه ولا نفع دنيوي، بل وجه الله وحده.
قال ابن كثير رحمه الله: “لا تصلح العبادة إلا له وحده، وليس له شريك ولا عديل، ولا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده”.
خطورة فقدان الإخلاص
الإخلاص ليس أمرًا ثانويًا، بل هو شرط أساس لصحة العمل. قال الله تعالى في الحديث القدسي:
“أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه” [رواه مسلم].
فمن صلى أو صام أو ذكر الله لأجل مدح الناس أو طلب منزلة عندهم، لم يكن عمله مقبولًا، بل قد يكون وبالًا عليه. وهنا تظهر خطورة الشرك الخفي، الذي قد يتسرب إلى القلب من حيث لا يشعر العبد.
كيف يتحقق الإخلاص في كلمة التوحيد؟
- إرادة وجه الله وحده: أن ينطق العبد “لا إله إلا الله” وهو يريد بها النجاة عند الله، لا مكانة عند الناس.
- مطابقة القلب للسان: فلا يقولها بلسانه وقلبه غافل، بل يقصد معناها بصدق.
- اجتناب الرياء: أن يحذر من حب الظهور والسمعة، ويخاف على نفسه من أن يضيع عمله بهذا الداء الخفي.
- الاستمرار على المراقبة: يفتش قلبه دائمًا، هل قصده الله وحده أم مالت به الأهواء؟
ثمار الإخلاص
الإخلاص يثمر في حياة المسلم ثمارًا عظيمة:
- قبول الأعمال: فالعمل لا يقبله الله إلا إذا كان خالصًا صوابًا.
- الطمأنينة: المخلص يعيش مرتاح البال، لا يهمه مدح الناس ولا ذمهم.
- الثبات على الحق: لأن المخلص لا يرتبط بالناس ولا بمصالحهم، بل يرتبط بالله وحده.
- النجاة من النار: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله”.
أمثلة على الإخلاص
- رجل يقوم الليل ولا يعلم به أحد من أهله، لا ينتظر شكرًا بل يطلب وجه الله.
- متصدق يضع صدقته في يد الفقير سرًا حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
- داعية يذكّر الناس بالله لا ليقال عنه خطيب بليغ، بل ليكون سببًا في هداية قلوب.
الإخلاص في مواجهة النفاق
المنافقون كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، لكنهم لم يقولوها بإخلاص. قال تعالى:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
فالإخلاص هو الذي يميز المؤمن الصادق عن المنافق الكاذب.
الخلاصة
الشرط الثالث من شروط “لا إله إلا الله” هو الإخلاص، وهو سر النجاة، وروح الأعمال، وعلامة القبول. من فقده فقد ضاع عمله وإن كثر، ومن حققه نال رضا الله وإن قل عمله.
فلتكن شهادتنا لله بالوحدانية خالصة من شوائب الرياء، ولنفتش في قلوبنا دائمًا: هل قصدنا الله أم قصدنا الناس؟
فالإخلاص هو مفتاح الجنة، وهو الذي يجعل كلمة التوحيد نورًا في الدنيا ونجاة في الآخرة.