
الصدق برهان الإيمان: الشرط الرابع من لا إله إلا الله
إن كلمة التوحيد ليست شعارًا يُقال في الألسن، بل حقيقة يعيشها المؤمن صدقًا في قلبه ولسانه وجوارحه. ومن شروطها العظيمة الصدق؛ أي أن يوافق اللسان القلب، فلا يكون قائلها منافقًا ولا كاذبًا. فالصدق هو الشرط الرابع من شروط “لا إله إلا الله”، وبه يتميز المؤمن الحق من المنافق المدّعي.
قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ • وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3].
فالآية تبيّن أن مجرد القول لا يكفي، بل لا بد من صدقٍ يُختبر بالفتن والابتلاءات.
وقال سبحانه عن المنافقين:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 8-9].
فألسنتهم تنطق بالإيمان، لكن قلوبهم فارغة منه، فكذبوا في دعواهم.
وجاء في السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار” [متفق عليه].
فالعبرة إذن ليست في الشهادة وحدها، بل في صدقها.
معنى الصدق في كلمة التوحيد
الصدق هو مطابقة الظاهر للباطن، واللسان للقلب، والعمل للاعتقاد. فمن قال “لا إله إلا الله” بلسانه، وهو يعتقد غيرها في قلبه، لم يكن صادقًا، بل كان منافقًا.
المؤمن الصادق يقولها وهو موقن بمعناها، عامل بمقتضاها، مخلص لله في عبادته. لذلك كان الصدق شرطًا لازمًا لقبول هذه الكلمة العظيمة.
كيف يظهر الصدق في حياة المسلم؟
- في القول: فلا ينطق بالشهادة إلا وهو موقن بها، بعيد عن التردد والريبة.
- في العمل: يترجم إيمانه إلى طاعة واتباع، فلا يعبد غير الله، ولا يركن إلى غير شرعه.
- في المواقف: يثبت على دينه في المحن، ولا يتنازل عنه خوفًا أو طمعًا.
- في التعامل: يظهر صدقه مع الله في صدقه مع الناس، فلا يخون ولا يغدر ولا يكذب.
الصدق في مقابل النفاق
المنافقون هم الذين قال الله فيهم:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
فهم شهدوا بألسنتهم، لكن قلوبهم أنكرت، فكذبهم الله وردّ قولهم.
أما المؤمنون الصادقون، فقد وصفهم الله بأنهم:
﴿الَّذِينَ صَدَقُوا وَاتَّقَوا﴾ [البقرة: 177].
فكان صدقهم برهان إيمانهم، وعلامة قبول أعمالهم.
ثمار الصدق
- النجاة من النار: كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.
- الثبات عند الفتن: فالعبد الصادق لا يتزحزح عند الابتلاء.
- محبة الله: قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، أي يُظهر صدقهم فيكرمهم.
- الثقة بين الناس: فالصدق أساس العلاقات، ومن عرف بالصدق قُبل قوله وأُمنت معاملته.
الابتلاء ميزان الصدق
الصدق لا يظهر في الرخاء فقط، بل يُمتحن في الشدائد. قد يقول الإنسان: “آمنت بالله”، لكن حين يتعرض لضغط أو إغراء أو خوف، يظهر صدقه أو كذبه. لذلك كانت الفتن سنة من سنن الله ليميز الله الخبيث من الطيب.
الخلاصة
الشرط الرابع من شروط “لا إله إلا الله” هو الصدق، وهو الميزان الذي يفرق بين المؤمن والمنافق. فمن قالها صادقًا من قلبه حرمه الله على النار، ومن قالها كاذبًا لم تنفعه يوم القيامة.
فلنراجع أنفسنا: هل نحن صادقون في شهادتنا؟ هل أعمالنا توافق أقوالنا؟ هل قلوبنا مطمئنة بما نردده؟
إن الصدق هو برهان الإيمان، وهو الذي يرفع العبد في الدنيا والآخرة، ويجعله من أهل الجنة الذين قال الله عنهم:
﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119].