
الفتوى بين النص والدولة: جدلية الوطن والدين
تُعَدّ الفتوى من أبرز مظاهر الاجتهاد في الإسلام، فهي الجسر الذي يصل النصوص الشرعية بواقع الناس وأسئلتهم اليومية. وإذا كان المسلمون قد عاشوا قرونًا طويلة في ظل فضاء ديني مفتوح، حيث كان العالم يُفتي في أقصى المشرق فيصل صوته إلى أقصى المغرب، فإن ظهور الدولة الوطنية الحديثة أدخل عنصرًا جديدًا على معادلة الفتوى: حدود الوطن، واحتكار المرجعية.
الفتوى في التاريخ الإسلامي
عبر التاريخ، لم تُعرف الفتوى كعمل مرتبط بالسياسة المباشرة، بل كاجتهاد علمي يقوم به الفقيه المستقل. فقد كان العالم يُفتي حيثما وُجد، ولا يقيّده سوى علمه وتقواه ومكانته العلمية. ولم تكن هناك حدود سياسية بالمعنى الحديث، بل فضاء إسلامي واسع يتشارك اللغة الدينية ويحتكم إلى مرجعيات مشتركة من الكتاب والسنة والفقه. ولهذا كانت الفتاوى تسافر مع القوافل، وتنتقل عبر الكتب، وتنتشر مع الرحّالة والتجار، دون أن تستأذن دولة أو تتقيد بجغرافيا.
الدولة الوطنية وتحوّل المرجعية
لكن مع نشوء الدولة الحديثة، خصوصًا بعد انهيار الخلافة العثمانية، تبلور مفهوم جديد: أن لكل وطن سيادته، ولكل دولة مؤسساته، ومنها المؤسسات الدينية. فصارت هناك “دور إفتاء” رسمية أو “هيئات كبار العلماء” أو “مجالس علمية”، تضطلع بمهمة إصدار الفتاوى وتنظيم الخطاب الديني. هذا التحول لم يكن مجرد تنظيم إداري، بل هو انعكاس لفكرة عميقة في بنية الدولة الوطنية: أن الدين شأن داخلي، تُنظمه الدولة مثلما تُنظم السياسة والاقتصاد والتعليم.
ومن هنا، برزت إشكالية جديدة: هل الفتوى شأنٌ علمي حر، أم شأنٌ وطني تحت إشراف الدولة؟ وهل للدولة حق “احتكار الدين” داخل حدودها، كما تحتكر السلاح والقرار السياسي؟
مزايا التنظيم الرسمي
لا شك أنّ وجود مؤسسة إفتاء رسمية يحمل مزايا عملية. فهو يضبط الفوضى التي قد تنتج عن تعدد الأصوات والآراء غير المؤهلة. كما يمنع تسلل الفتاوى المتطرفة التي تستغل الدين للتحريض على العنف أو الانقسام. إضافةً إلى ذلك، فإنه يعزز وحدة الخطاب الديني داخل الوطن، فينطلق صوت الفتوى متماسكًا، يعكس هوية الدولة ويحمي مصالحها العليا.
فالفتوى – في أحد وجوهها – ليست مجرد رأي فردي، بل خطاب عام يؤثر في المجتمع كله. وإذا تُرك هذا الخطاب من دون تنظيم، فقد يُستغل لإثارة الفتنة أو زرع الشقاق أو تبرير الانحرافات الفكرية. ولهذا تسعى الدول إلى إحكام سيطرتها على المجال الديني كما تحكم المجال الإعلامي والسياسي.
مخاطر الاحتكار
لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يحمل مخاطر لا تقل خطورة. فاحتكار الفتوى بشكل كامل قد يؤدي إلى تسييسها، بحيث تتحول من اجتهاد شرعي إلى أداة بيد السلطة. وعندها يُخشى أن يفقد الناس الثقة في صدقها، فينظرون إليها كصوت رسمي أكثر من كونها صوتًا شرعيًا.
كما أن إغلاق باب الاجتهاد الفردي قد يضعف حيوية الفكر الإسلامي، ويحول العلماء إلى موظفين، يكررون ما يُطلب منهم بدل أن يجتهدوا وفق النصوص وروح الشريعة. إن الفقه الإسلامي قام على التعددية والاختلاف المشروع، وهذه السعة هي التي أعطته مرونته وقدرته على مواكبة تغيرات الزمان. أما إذا حُصر في مؤسسة واحدة تحت إشراف الدولة، فقد يفقد هذه الروح، ويتحول إلى خطاب جامد.
جدلية التوازن
التحدي الحقيقي إذن هو تحقيق التوازن: كيف يمكن للدولة أن تحافظ على وحدة المرجعية داخل حدودها، وفي الوقت ذاته تتيح مساحة للاجتهاد والتعددية؟ كيف نمنع الفوضى الدينية من جهة، دون أن نقع في براثن التسييس والجمود من جهة أخرى؟
ربما يكون الحل في تصور “الفتوى الوطنية” التي تراعي خصوصية المجتمع، وتحمي وحدته، لكنها لا تغلق الباب أمام الاجتهادات العلمية الحرة، ولا تُجرّم الاختلاف الفقهي المشروع. فالمؤسسات الرسمية يمكن أن تضطلع بدور الضابط والمرجّح، دون أن تلغي أصوات العلماء المستقلين. بل إنّ إشراك هؤلاء في النقاش العام يعزز الثقة ويجعل الفتوى أكثر واقعية وشمولًا.
بين الوطن والأمة
يبقى بُعد آخر لا يمكن تجاهله: الإسلام بطبيعته دين عابر للحدود، وأمّته ليست محصورة في جغرافيا واحدة. ولذلك فإن الفتوى – مهما ارتبطت بالوطن – لا تنفصل عن فضائها الأوسع. فقد يحتاج مسلم في بلدٍ ما إلى فتوى عالم في بلد آخر، أو قد تتداخل قضايا عابرة للحدود، مثل الاقتصاد العالمي أو القضايا الإنسانية الكبرى. وهنا تبرز الحاجة إلى فقه يُوازن بين الانتماء للوطن والامتداد للأمة.
خاتمة
الفتوى إذن، في سياق الدولة الوطنية، تقف عند مفترق طرق: فهي مطالَبة بأن تخدم المجتمع وتحمي وحدته، لكنها أيضًا مدعوة لأن تحافظ على روحها العلمية الحرة واستقلالها عن الإملاءات السياسية. إنّ الدين ليس ملكًا للدولة، ولا للفقيه وحده، بل هو أمانة مشتركة. وإذا أحسنا التوازن بين التنظيم الرسمي والتعددية العلمية، استطعنا أن نضمن للفتوى صدقيتها، وللوطن وحدته، وللأمة امتدادها.