
كنتُ أمشي في شارع قديم، لا يعرف اسمي، ولا أعرف له اسماً، فإذا بخطاي تتبعثر على الحصى كأنها حروفٌ تبحث عن جملةٍ تُكملها. كنتُ أظن أنني أنا من يختار الطريق، حتى لاحظتُ أن عينيّ تُقبلان على الدرب عينيه، كأنما فيهما حنينٌ سبق حنيني، وذكرٌ سبق ذاكرتي. أيُّنا أول؟ أأنا أم الطريق؟
في يدي كانت عكازةُ رملٍ، كلما غرستُها في الأرض انثنتْ فجأةً إلى وريدٍ يُدقّ بدمي، فأرى آثار أقدامي وقد سبقتني، كأنما كُتبت قبل أن أولد. والريح تحمل إليّ رائحةَ مسكٍ عتيق، لا أعرف إن كانت من ثوب جدتي، أم من عرقِ أول مَن مشى هذا الدرب فأجهش بالبكاء حين رأى البحرَ أمامهُ، فارتدَّ خائفاً من البداية.
كانت الشمسُ تُصغي إلى صوتي، فأُحَرِّكُ الشفاه: «أريد أن أكون حُرّاً». فابتسمتْ لي بدمعٍ ذهبيّ سقط على كتفي، فإذا بي أرتدي قميصاً من نورٍ يُقيد ضلوعي. قلتُ: «أريد أن أُخطّ طريقي بنفسي». فمدَّت لي يدها المتوَّجة بالشوك، فإذا بي أُقبِّلُ الأشواكَ واحداً بعد الآخر، حتى صرتُ أُغنّي للألم نشيداً، فصار الألمُ طريقي.
مررتُ ببئرٍ قديمة، فرأيتُ في مائها وجهي، لكنه لم يكن أنا؛ كان وجهَ غريبٍ يضحك بأسنانه الطرية، ثم يبكي بعينين كبيرتين. سالت دموعُه في البئر، فامتلأتْ دموعاً، وصرتُ كلما شربتُ منها ذكرتُ حلماً لم أحلم به بعد. فقلتُ: «لعلَّ الطريقَ تُريدني أن أذكر ما لم أعشه». فردَّت عليَّ البئرُ بصمتٍ يُشبه همسَ أمٍ تُغنّي لطفلتها قبل النوم: «ما لم تعشه يعيشك».
ومشيتُ. والليلُ يُلقي على كتفي عباءته السوداء، فأصبحتُ ليلاً. والنجومُ تُعلق في عنقي خواتمها، فصرتُ مجرة. والريحُ تمسح بكفيّ جبينَ التلال، فصرتُ وطناً. لكنني كلما نظرتُ إلى الوراء، رأيتُ الطريقَ يمدُّ ذراعيه، يُقبّل جبهتي، ويقول: «أنا الذي حملتك، لا أنت الذي حملتني». فأُغمض عينيّ، أُصغي إلى دمي يُغنّي: «أنا الذي اخترتُه، لا هو الذي اختارني». ويبقى الصدى يُصيح في صدري: أيُّنا أصدق؟
وفي لحظةِ فجرٍ مُبهم، رأيتُ طفلاً عارياً يجلس على حجرٍ، بين يديه قلمٌ من طين، يُخطّ على الرملِ اسمَهُ، فتمتدُّ الأرضُ لتُقبّل الحروف، فتُصبحْ شارعاً، فيمشي الطفل، تمشي الأرواحُ التي لم تُولد بعد. فقلتُ للطفل: «من أنت؟» فنظر إليَّ بعينَيْ أُمّي، وقال: «أنا الطريقُ الذي لم تسلكه بعد، فإذا مشيتَ فيه صرتُ أنا، وضعتُ اسمك على لافتةِ قلبي، فصرتُ أُناديك، فتُجيبني، فأظنُّ أنني أنا من ناداك، وأنت تظنُّ أنك أنت من اختارني، وبين الظنّين نُصبحُ قصيدةً واحدةً لا تنتهي إلا إذا انتهينا، ولا ننتهي».
وذرفتُ دمعةً كبيرة، فسقطتْ على الحجر، فانفجرَ منها نبعٌ صغير، فشربتُ، فإذا بي أرى كلَّ الطرقِ التي مشيتُها، وكلَّ الطرقِ التي لم أمشِ فيها، تلتفُّ حول عنقي كقلادةٍ من ماءٍ ونار، فأصبحتُ طريقاً يمشي في إنسان، وإنساناً يمشي في طريق، حتى لم أعد أعرف أين يبدأ أحدهما وأين ينتهي الآخر.
وها أنا الآن، أُمسكُ القلمَ لأكتب خاطرتي هذه، فإذا بالحروف تُعانق بعضها، فتُصبح جسراً، أُلقي به إلى الوراء، فأرى طفليّ يمشيان: أحدهما أنا، والآخر هو الطريق. يتبادلان الضحكات، ثم يتبادلان الدموع، ثم يختلفان، ثم يتصالحان، ثم يختفيان في أفقٍ واحد.
فأرفعُ رأسي إلى السماء، أُهمسُ بصوتٍ يكادُ يكونُ أنفاسي: «ويبقى السؤال: هل نحن من نصنع طرقنا، أم أن الطرق هي من تصنعنا ؟