
في حياة الأمم، العلماء هم المصابيح التي تهدي القلوب، والجبال التي تُسند العقول، والينابيع التي تفيض بالمعرفة والرشاد. فإذا غابوا، انطفأت أنوار، وخبت أصوات، وترك الفقد في الأمة فراغًا يتّسع كالوادي، لا يسده إلا من يخلُفهم. إنّ رحيل العلماء ليس فقدًا لأشخاصٍ فحسب، بل هو انطفاء لمددٍ من العلم، وتقلّص لمساحات الهدى، وضياع لبوصلاتٍ كانت تقود الناس في متاهات الحياة.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب العلماء.” إنّها الحقيقة التي نلمسها كلما رحل أحدهم. فما أكثر الكتب، وما أعظم المحابر، لكنّها بلا أرواح العلماء تبقى أوراقًا صامتة. فهم وحدهم من يمنحون العلم الحياة، ويُلبسونه الرحمة والسكينة، ويجعلونه يلامس الأرواح قبل العقول.
حين يفقد الناس عالِمًا، يفقدون أكثر من فتوى، أو درس، أو كتاب. إنّهم يفقدون ذاكرة أمةٍ حيّة، وتجربةً ممتدة عبر السنين، وحكمةً صاغها العمر في قوالب من نور. العالم ليس مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل هو حامل لواء، ومرآة عصره، وصوت أمان للأمة. فإذا انقطع صوته، سكنت مساحة واسعة من الطمأنينة التي كان يزرعها في القلوب.
لقد جاء في الحديث الشريف: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا.” (متفق عليه). ما أعظمها من كلمات، وما أشدّ وقعها على النفوس إذا استشعرناها في زمننا. فموت عالمٍ واحد، قد يكون شرخًا في جدار الأمة، يُفتح منه باب للفتنة، أو مجال للجهل أن يتسيّد.
العلماء هم الأوتاد، بهم تثبت الأرض، وبهم يُصان الدين. وإذا غابوا، اهتزّت الخيام، وتكاثرت الرياح، وضاع الناس بين ضوضاء الأصوات. إنّهم ليسوا فقط من يكتبون الفتاوى، بل هم من يمنحون الأمة توازنها، يذكّرونها بأنّ الدين ليس شعارات، بل حياة ممتدة تُبنى بالرحمة، وتُدار بالعدل، وتُزهر بالعلم.
إنّ رحيلهم يترك الأمة كالسفينة بلا ربان. قد تمخر عباب البحر قليلًا، لكنها إذا واجهتها الرياح العاتية لم تجد من يوجّه شراعها. لذلك كان السلف يبكون عند فقد العلماء أكثر مما يبكون عند فقد الدنيا. قال الإمام أحمد رحمه الله: “موت العالِم ثُلمة في الإسلام لا يسدّها شيء ما اختلف الليل والنهار.” تلك الثلمة نشعر بها في كل مجلسٍ كان عامرًا بصوته ثم صمت، وفي كل محرابٍ كان يصدح فيه بدعاء ثم خلا، وفي كل كتابٍ كان يشرح سطوره فتوقّفت أنفاسه عند حدّ الصفحة.
وإذا رحل العلماء، فقدت الأمة نماذجها الحيّة. إنّ الكتب وحدها لا تُخرّج قلوبًا حاملةً للنور. الكتب تحتاج إلى رجال يفسّرونها بعيونهم، بأخلاقهم، بتجاربهم. العالم ليس نصًا جامدًا، بل هو حياة تمشي بين الناس، تدلّهم بأدبها قبل علمها، وتُربّيهم بسمتها قبل خطابها.
كلما فارقنا أحد العلماء، أدركنا أنّ الأمة ليست بخير كما نظنّ، وأنّ الحاجة إلى العلم الشرعي ليست ترفًا، بل حياة. فالعلم هو الذي يحفظ هوية الأمة، ويصونها من التمزّق، ويقيها شرّ الانحراف والتيه. ولذا قال سفيان الثوري رحمه الله: “العلماء عند الله أعظم من الملائكة.” لأنّهم حملوا الرسالة في الدنيا، وصبروا على أعبائها، وصانوا قلوب الناس من أن تضلّ.
ومع ذلك، يبقى في موت العلماء درسٌ آخر، درس الصبر والتسليم. ففي فقدهم دعوة للأمة أن تستشعر قيمة العلم قبل أن يرحل حملته. وأن تبادر إلى الأخذ منهم في حياتهم، وألا تركن إلى التأجيل والتسويف. فما أكثر ما نندم على عالمٍ رحل قبل أن ننهل من علمه، وما أشدّ حسرتنا حين نكتشف أنّ مجلسه كان قريبًا منّا لكننا انشغلنا عنه بفتات الدنيا.
إنّ غياب العلماء يذكّرنا بواجبنا تجاه العلم نفسه: أن نطلبه بصدق، ونُورّثه لمن بعدنا، وألا نترك فراغًا يتّسع حتى يصبح فجوةً يصعب ردمها. فرحيلهم لا يعني نهاية العلم، بل يعني أنّ على الأمة أن تنهض لتكمل المسيرة. العلم ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورّثوا هذا النور، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر.
ولكن السؤال الذي يؤرّق القلب في لحظة الفقد: إذا كان رحيل العلماء ذهابًا للعلم، وتصدّعًا في جدار الأمة، فهل نستشعر حقًّا قيمة وجودهم في حياتنا قبل أن يرحلوا؟ أم أنّنا لا ننتبه إلا حين يُسدل الستار وتغيب الأصوات؟