
الصبر – زهرٌ ينبت في صخور البلاء
﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ﴾
الصبر ليس كلمة نتداولها حين تعجز الحيلة، بل هو مقام عظيم من مقامات الإيمان، لا يناله إلا من ذاق مرارة البلاء ثم ابتسم في وجه القدر. هو القوة التي تجعل القلب ثابتًا حين تضطرب الدنيا، والنور الذي يُضيء لك الطريق وأنت في منتصف العتمة.
حين يقول الله: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ﴾، ندرك أن الصبر ليس مجرد تحمّل، بل طريقٌ إلى محبة الله. وكفى بها محبة! أن يحبك الله لأنك احتمَلت ما لم يحتمله غيرك، وأنه رفعك لأنك لم تنكسر رغم نزيف قلبك.
الصبر أنواع، وكلها ثقيلة على النفس:
- صبر على الطاعة: أن تُجاهد نفسك لتصلي في وقتها، لتقوم في ليلك، لتغضّ بصرك، لتمنع لسانك من الغيبة.
- صبر عن المعصية: أن تُعرض عن لذةٍ عابرة تورثك ندمًا طويلًا، أن تُقاوم هوى النفس وأنت قادر عليه.
- صبر على البلاء: وهو الأصعب، أن تُبتلى في جسدك أو مالك أو أحبّتك، ثم تقول: “الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون”.
المؤمن حين يصبر، لا يصبر لأنه قوي بذاته، بل لأنه يعلم أن الله أقرب إليه من كل شيء. لذلك كان الصبر مقام المحبوبين عند الله. قال النبي ﷺ: «ما يُصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه». فالصبر ليس خسارة، بل مكسب، لأن كل لحظة ألم تمحو ذنبًا وترفع درجة.
انظر إلى أيوب عليه السلام، الذي ضُرب أعظم الأمثلة في الصبر. ابتُلي في جسده وأهله وماله سنوات طويلة، ومع ذلك لم يقل إلا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾. لم يشكُ إلا إلى الله، ولم يرفع حاجته إلا إليه. فكان جزاؤه أن ردّ الله عليه عافيته وأهله، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِعْمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ﴾.
الصبر يُعلّمنا أن الألم ليس النهاية، بل هو بداية طريق إلى الله. كل دمعه في الخفاء، كل تنهيدة في ليلٍ طويل، كل صمتٍ على أذى الناس، كلها محفوظة عند الله. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾. أي أن أجرهم لا يُقاس بمقياس البشر، بل يُعطَون بغير عدّ ولا عدد.
وفي حياتنا، الصبر هو الزهرة التي تنبت في أقسى الصخور. ترى إنسانًا فقد عزيزًا، ومع ذلك يبتسم ويقول: “الحمد لله على قضائه”. ترى آخر يعاني المرض والألم، لكنه يصبر ويحتسب، فيصبح قدوة لغيره. هؤلاء هم الذين يحبهم الله، الذين زرع في قلوبهم نور الصبر حتى صاروا أُسوة.
الصبر ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو قمّة القوة. أن تكظم غيظك وأنت قادر على ردّه، أن تسكت عن ظلمٍ وأنت قادر على الانتقام، أن تتحمل شقاءً وأنت قادر على الشكوى، هذه بطولة روحية لا يقدر عليها إلا الكبار.
وللصبر ثمار عجيبة؛ يلين به القلب، تتهذّب به النفس، ويُثمر فيك الحكمة. من صبر على فقد الأحبة، عرف قيمة من بقي. ومن صبر على فقرٍ أو مرضٍ، تعلّم الرضا والامتنان. بل إن الصبر يفتح لك أبواب الرضا، والرضا يفتح لك أبواب السكينة، والسكينة تقودك إلى محبة الله.
تأمل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾. إن الله حين يُخبرك بالابتلاء، لا يتركك وحيدًا، بل يقول بعدها مباشرة: “وبشر الصابرين”. وكأن البلاء ليس نقمة، بل باب لبشرى عظيمة.
فلنسأل أنفسنا: هل نحن من الصابرين حقًا؟ هل نُسلم أمرنا لله في أوقات الألم؟ هل نقول “الحمد لله” بقلوب صادقة لا بلسان فقط؟
الصبر يا صديقي هو زاد المسافرين إلى الله. من فقده ضلّ الطريق، ومن تمسّك به وصل. ومن أحبّه الله لصبره، فقد نال أعلى مراتب القرب.
فطوبى للصابرين الذين أحبهم الله، وطوبى لكل قلبٍ واجه عاصفة الحياة بثبات، وزرع في صخورها وردة أملٍ تنبض بالسكينة.