
الرفق – حين يلين القلب تصفو الحياة
(حول قوله ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق»)
الرفق ليس مجرد خُلق يُزيّن التعامل، بل هو روح تتخلّل كل سلوك جميل، ولغة لا يفهمها إلا من عَرَف الله حق المعرفة.
حين قال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق»، لم يكن يصف صفة بشرية فحسب، بل كان يعرّفنا بصفة من صفات الله نفسه، صفة تنساب منها الرحمة واللطف والستر، لتعلّم الإنسان كيف يتشبّه بربه في معاني الرحمة.
الرفق ليس ضعفًا، بل هو قوة متوازنة، تمسك الغضب فلا يندفع، وتضبط اللسان فلا يجرح، وتمنح القلب بصيرة تجعله يختار الكلمة الأنفع، والفعل الأحكم. إنه حكمة الروح قبل حكمة العقل.
وقد كان رسول الله ﷺ مثالًا حيًّا للرفق في كل حال؛ كان لين القول، رقيق المشاعر، يعفو إذا قدر، ويبتسم حين يُساء إليه، حتى قيل عنه: “ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا”.
في بيت النبي ﷺ، كان الرفق ضيفًا دائمًا؛ فإذا أخطأت إحدى زوجاته، لم يعلُ صوته، بل قال بلطف: «مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله».
وفي ميادين الدعوة، لم يكن العنف طريقه، بل قال الله له:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَ﴾.
إن الرفق دواء لكل جرح في النفس، وبلسم لكل علاقة تصدّعت بسبب القسوة. هو الذي يجعل الأب حنونًا، والمعلم محبوبًا، والداعية مؤثرًا، والإنسان قريبًا من القلوب.
فما من شيء زيّنه الرفق إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه، كما قال النبي ﷺ.
تأمل كيف أن الرفق لا يقتصر على التعامل مع الناس، بل يمتد إلى كل مخلوق. في حديث المرأة التي سقت كلبًا فغفر الله لها، والمرأة الأخرى التي حبست هرة فعُذبت. كلاهما موقف في الرفق وعدم الرفق، لكنه عند الله ميزان ثوابٍ وعقاب.
ولذلك كان الرفق بابًا لمحبة الله، لأنه خُلق من رحمته، ومن سار به اقتبس من نوره.
في عالمٍ يزداد قسوة، يصبح الرفق رسالة مقاومة، تقول إن اللين لا يعني الضعف، وإن الرحمة ليست سذاجة، بل إيمانٌ بأن التغيير الحقيقي يبدأ من القلب.
حين تُقابل الإساءة بالحسنى، تُدهش الآخر، وتُربك الشيطان، وتُعجب الملائكة، لأنك اختَرت ما يُرضي الله لا ما يُرضي النفس.
وقد قال ابن القيم: “الرفق في الأمور بمنزلة الروح للجسد، فإذا فارقها صارت صورًا لا حياة فيها.”
الرفق إذًا حياة. حياة للقلوب، وللعلاقات، وللأعمال. به تُفتح أبواب مغلقة، وتُشفى نفوس موجوعة، وتُكتب لك محبة الله قبل محبة الناس.
جرب أن تكون رفيقًا اليوم: في كلامك، في حكمك، في تعاملك مع نفسك حين تخطئ، ومع الناس حين يزلّون. جرب أن تضع الرحمة في موضع الغضب، وأن تختار اللين بدل الردّ القاسي، وأن تبتسم في وجه من أساء.
قد لا تغيّر الكون، لكنك حتمًا ستغيّر شيئًا في نفسك، وسيُرضى عنك ربّك الذي يحب الرفق.
فبعد أن تأملت هذا الخلق العظيم،
هل لا يزال فيك غضب يُقاوم الرفق، أم قلبٌ يتعلّم أن يحب كما يحب الله؟