
السماحة – القلب الذي لا يحمل ثِقلاً
(حول قوله ﷺ: «إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء»)
السماحة ليست مجرد كلمة تُقال، بل أسلوب حياة، وقلب واسع، وروح خفيفة لا تثقلها الشحنات النفسية ولا الأحقاد. إنها صفة يختارها المؤمن ليجعل التعامل مع الآخرين رحلة من اللطف، والتيسير، والرحمة، بعيدًا عن التعقيد والمبالغة.
حين قال النبي ﷺ: «إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء»، لم يقف المعنى عند أروقة التجارة أو المحكمة، بل كان توجيهًا لكل قلب يريد أن يرقى ويقترب من محبة الله. السماحة في البيع تعني أن يكون البائع صادقًا في وزنه وقياسه، لا يغشّ، لا يضلّ، ويهدي ما في قلبه من رحمة في كل كيل وغرام. في الشراء، تعني أن يكون المشتري كريمًا لا شحيحًا، صبورًا لا متسرعًا، يختار ما يصلح دون ضرر، ويُعامل الآخرين بلطف وصدق. وفي القضاء، تعني أن يُعطي القاضي كل ذي حق حقه، بلا محاباة ولا تحيز، بلا جفاء ولا قسوة، ليكون الحكم سببًا للعدل لا للظلم.
السماحة إذن صفة شاملة، تمتد من السوق إلى المحكمة، ومن المعاملات إلى القلب، ومن التعامل مع الناس إلى التعامل مع النفس. فالمسامحة في الخطأ، والتساهل مع من أخطأ، والعفو عند المقدرة، كلها مظاهر من مظاهر السماحة التي يحبها الله.
في عالم سريع، يغلبه الصخب والتوتر، يصبح القلب محمّلًا بالأحقاد والهموم، ويحتاج كل إنسان إلى أن يخفف عن نفسه وعن غيره. السماحة هنا ليست رفاهية، بل ضرورة روحية، تريح النفس وتفتح أبواب الرحمة في المجتمع. القلب السمح هو الذي لا يحمل ثِقلاً من الحقد، لا يثقل من حوله بالغضب، ولا يحبس أحدًا عن الفرح بحساباته الضيقة.
وقد كان النبي ﷺ في كل موقف يُظهر السماحة، يُقابل الجفاء بلين، والغل بلطف، والخطأ بتسامح. لم يكن يُرهق الناس بمتطلبات فوق طاقتهم، ولم يكن يُستبدل الرحمة بالقسوة، بل كان المثال الأسمى لمن أراد أن يعيش السماحة.
السماحة تثمر محبة الله أولًا، ثم محبة الناس. فحين تتعامل مع الآخرين بروح واسعة، صادقة، لطيفة، تُبنى الثقة وتُزهر القلوب، وتصبح معاملاتك خفيفة على نفسك وعلى الآخرين. يقول ابن القيم: “السماحة صفاء الروح، ولين القلب، وراحة البال، وهي سبب النجاة من السوء في الدنيا والآخرة.”
ليس المقصود أن تكون ساذجًا أو مسكينًا أمام الجور، بل أن تختار اللين حيث يستطيع، وتستخدم القوة حيث يلزم، وتوازن بين الحق والرحمة. فالسماحة قوة مقنّنة، تجعل العالم أكثر إنسانية، وتجعل حياتك أقرب إلى الله.
جرب أن تكون سَمِحًا اليوم: في حديثك، في تعاملك، في حكمك على من حولك، في اختيارك لرد الفعل، وفي عطاءك لمن يحتاج. ستجد أن قلبك أهدأ، ونفسك أخف، ورضا الله أقرب.
وفي نهاية هذا التأمل، نسأل أنفسنا:
هل أصبح قلبك واسعًا كما يحب الله، أم ما زال ضيقًا بالشكوى والغضب والحسابات الصغيرة؟