
الجمال – لأن الله يحب الجمال
(حول قوله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»)
الجمال صفة من صفات الله، وهو نور يضيء القلب قبل العين، وصفاء يسكب السكينة في الروح قبل المظهر. حين قال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال»، لم يقصد المظهر الخارجي فحسب، بل أراد أن يعلمنا أن الجمال شامل لكل جانب في حياة الإنسان: جمال القلب، جمال القول، جمال العمل، جمال النية، وجمال التعامل مع الناس.
القلب الجميل يفيض رحمة، والعقل الجميل يختار الحق، واللسان الجميل ينطق بما يرضي الله، والأعمال الجميلة تُقرّبك إلى الله وتنعكس على من حولك. الجمال هنا هو طهارة النفس، وصدق النية، ورقة المشاعر، وصفاء الروح. إنه جمال داخلي، قبل أن يُرى على الخارج، جمال يرافق الإنسان أينما حلّ، ويجعل الناس يحبونه بلا مجاملة.
كان النبي ﷺ مثالًا للجمال في كل شيء: في قوله، في فعله، في خلقه. في ابتسامته، في رفقه، في معاملاته مع أصحابه، في حرصه على إرضاء الله قبل إرضاء الناس. لقد كان الجمال سمة روحية يعيشها ويزرعها في كل تصرفاته، حتى صار كل من حوله يشعر بالسكينة بمجرد النظر إليه أو سماع صوته.
الجمال ليس رفاهية، بل هو عبادة. كلما صقلت قلبك بالرحمة، وكلما نظفت سريرتك من الحقد والحسد، وكلما اختارت أقوالك أرقى المعاني، كلما اقتربت من محبة الله. يقول ابن القيم: “الجمال الذي يحبه الله هو جمال الأخلاق وصفاء النية وصدق القلب، وليس مجرد زينة الشكل.”
إن أحبك الله لأنك جميل، فقد اخترت الطريق الأقصر إلى رضاه. جمالك ليس ما تراه العيون، بل ما تراه القلوب: صراحة النية، نقاء السريرة، حُسن التعامل، ابتسامة صادقة، ومساعدة بلا انتظار شكر. كل هذه الأشياء تجعل قلبك حلوًا كما يحب الله، وتجعل الحياة حولك أجمل.
في مجتمع سريع الخطى، يغلب عليه القسوة والتعقيد، يصبح الجمال سلاحًا للرحمة. حين تُقابل القسوة باللين، والغل بالحسنى، والحق بالرفق، فأنت بذلك تحوّل حياتك وحياة من حولك إلى مساحة من النور. الجمال يحفز الآخرين على الخير، ويجعل الحياة أهدأ، والقلوب أقرب، والروح أصفى.
الجمال في السلوك والتعامل مع الناس يثمر محبة الله أولًا، ثم محبة الناس. حين تتعامل بروح جميلة، صادقة، لطيفة، تُبنى الثقة وتُزهر القلوب، وتصبح معاملاتك خفيفة على نفسك وعلى الآخرين. الجمال يخلق راحة للإنسان والمجتمع، ويحوّل العلاقات إلى روابط متينة تقوم على المحبة والاحترام.
والجمال ليس مظهريًا فقط؛ بل يشمل كل تفاصيل حياتك اليومية: كلماتك، أفعالك، ابتسامتك، رحمتك، صبرك، وإخلاصك في العمل. كل ذلك جمال يرضى عنه الله ويقربك من قلبه.
جرب أن تجعل قلبك جميلاً اليوم: في حديثك، في تصرفك، في عملك، وفي خلواتك. ستجد أن حياتك أهدأ، وروحك أصفى، ورضا الله أقرب.
وفي نهاية هذا التأمل، نسأل أنفسنا:
هل يسكن قلبك الجمال الذي يحبّه الله، أم اكتفيت بالمظاهر والسطحيات؟