
معالي الأمور – الهمة التي ترفعك إلى السماء
(حول قوله ﷺ: «إن الله يحب معالي الأمور»)
معالي الأمور صفة من صفات القلوب العالية والهمم الراسخة. إنها اختيار الإنسان لأن يكون الأفضل، أن يسعى إلى ما يرفع مكانته عند الله قبل الناس، أن يبتعد عن الدنايا والسطحية، ويختار العلو في كل عمل وفعل. حين قال النبي ﷺ: «إن الله يحب معالي الأمور»، أراد أن يحفزنا على أن تكون حياتنا مملوءة بالنية الطيبة والهدف السامي، لا بالكسل أو الميوعة أو التواكل على ما هو أدنى.
معالي الأمور ليست فقط الأعمال العظيمة التي تُكتب في التاريخ، بل تشمل كل تصرف اختاره الإنسان بعزم وإخلاص، كل كلمة صادقة، كل خطوة تقرّبه من القيم العليا، كل عمل يخدم الآخرين بلا انتظار شكر. إنها تتعلق بالنية قبل الفعل، بالروح قبل الجسد، بالعزم قبل الفرصة.
الإنسان صاحب الهمة العالية لا يرضى بالقليل، لكنه لا يغتر بالشهرة أو المال أو المنصب، بل يسعى لما هو مفيد، لما يُرضي الله، لما يصنع فرقًا في نفسه ومجتمعه. هذه الهمة هي التي ترفع صاحبها إلى السماء قبل أن يرى الناس أثره، وهي التي تجعل الله يحبه ويبارك له في جهده وعمله.
في حياتنا اليومية، معالي الأمور تظهر في السعي وراء العلم النافع، في اختيار الصديق الصالح، في الالتزام بالعمل الصالح، وفي الصبر على الطاعات رغم الصعاب. إنها تظهر في اختيارنا للقيام بما هو حق، ولو كان الطريق شاقًا، وفي رفضنا لما هو دنيء وسهل، ولو كان مغريًا.
النبي ﷺ كان أعظم مثال للهمة العالية. في دعوته، في صبره، في رحلته، في معاناته، كان يختار الطريق الأصعب لكنه الأكثر فائدة. كان يسعى لما يرفع شأن أمته ويقربها من رضى الله، وكان يُعلم أصحابه أن السعي إلى المعالي هو الطريق إلى المحبة والرضا.
معالي الأمور تمنح الإنسان معنى، تجعل لحياته قيمة، وتزرع فيه قوة داخلية لا تهزها الرياح، ولا تقوى عليها الصعاب. صاحب الهمة العالية لا ييأس، لا يرضى بالقليل، بل يتجاوز الصعوبات، يرفع نفسه بالعمل الصالح، ويستشعر قرب الله في كل خطوة.
تخيل حياتك لو أن كل عمل تختاره اليوم كان موجهاً نحو معالي الأمور: علم، خلق، تجارة، خدمة، عبادة. لو ركّزت نيتك على ما يرضي الله في كل صغيرة وكبيرة، كيف ستتغير حياتك؟ كيف ستتغير نظرتك للنجاح والفشل، للوقت، وللآخرين؟
السعي نحو المعالي ليس رفاهية، بل هو عبادة تُقرّبك من الله وتزيد محبته لك، لأنه يرى قلبك صادقًا في الطموح نحو الخير، وروحك صافية في اختيار الأفضل، ونواياك صادقة في كل فعل.
وفي نهاية هذا التأمل، نسأل أنفسنا:
إلى أي قمة تتجه همتك اليوم، وهل تُسعى نحو العلا كما يحب الله؟