
الرسالة الرابعة «الصلاة والسلام عليه… حين يثمر الذكر حبًّا»
هناك أذكارٌ تمرُّ على اللسان مرورًا خفيفًا، وأخرى تُحدث في القلب انقلابًا…
لكن الصلاة على النبي ﷺ شيءٌ آخر؛ إنها عبادة تجمع بين الذكر والشوق، بين الأدب والحب، بين العبد وربّه من جهة، وبين الأمة ونبيّها من جهة أخرى.
كلّ مرة تقول فيها: اللهم صلِّ على محمد، كأنك تزرع وردة في طريقك إلى الجنة، وتنسج خيطًا من نورٍ يربطك بقلبه الطاهر.
قال الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
يا الله… ما أعظم هذا الشرف!
الله نفسه يُصلّي على نبيّه، والملائكة تباركه، ثم يُدعى المؤمن ليشارك هذا التكريم السماوي.
أيُّ منزلةٍ أرفع من أن تكون جزءًا من ذكرٍ يشترك فيه ربّ العالمين وملائكته؟
كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه يقول:
“الصلاة على النبي ﷺ تمحو الذنوب كما يمحو الماءُ الدرن.”
وقال الإمام الصادق رحمه الله:
“من أحبّ أن يكثر رزقه، ويُفرّج همّه، فليُكثر من الصلاة على النبي ﷺ.”
ولقد رُوي أن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال للنبي ﷺ:
“يا رسول الله، إني أُكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟”
فقال: “ما شئت.”
قال: “الربع؟” قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير.”
قال: “النصف؟” قال: “ما شئت، وإن زدت فهو خير.”
قال: “أجعل لك صلاتي كلها؟”
قال ﷺ: “إذن تُكفى همَّك، ويُغفر لك ذنبك.”
يا له من وعدٍ عظيم، أن تكون الصلاة عليه كفايةً للهمّ وغفرانًا للذنب.
أليس هذا دليلًا أن المحبة الصادقة تثمر راحةً في الدنيا وسلامًا في الآخرة؟
تأمل في المعنى العجيب لهذه العبادة…
فهي ليست تكرارًا صوتيًا، بل تجديدٌ للعهد بالحبّ كل مرة.
كل “اللهم صلِّ على محمد” هي رسالة وفاءٍ منك إليه،
تقول له بها: “ما نسيتك يا حبيبي، رغم بعد الزمان والمكان.”
يُروى أن أحد الصالحين كان إذا ضاقت به الدنيا، جلس وحده، وأخذ يردد الصلاة على النبي ﷺ حتى ينساب الدمع من عينيه،
فكان يقول:
“كلما أكثرتُ منها، أحسستُ أن ضيقي يذوب كما يذوب الملح في الماء.”
الصلاة عليه ليست كلماتٍ على الشفاه، بل نبضُ حبٍّ في القلب،
فهي التي تُحيي القلب الميت، وتُذكّر الروح بأصلها،
ومن أكثر منها، أضاء الله له الطريق، وأبدله بحزنه سكينةً، وبخوفه أمانًا.
قال ابن القيم رحمه الله:
“الصلاة على النبي ﷺ سببٌ لدوام محبته، وزيادتها، واستحضار صورته الشريفة في القلب.”
فكلما أكثرت، رأيت النور يملأ صدرك، ووجدانك يلين، كأنما النبي ﷺ يقترب منك برحمةٍ خفيةٍ لا تُوصف.
فهل جرّبت أن تجعل يومك صلاةً عليه؟
أن تبدأ صباحك بـ “اللهم صلِّ على محمد”، وتنهي ليلك بها، وتُطفئ بها قلقك؟
جرب أن تملأ وقتك بالصلاة والسلام عليه…
وانظر كيف سيثمر الذكر حبًّا، وكيف سيلين قلبك حتى تشعر أنه بين يديه ﷺ. 💭