
المقال الرابع: “تعظيم الرسول ﷺ… حين تكون المحبة طاعةً واتباعًا”
ما أحبّ أحدٌ رسول الله ﷺ حقًّا إلا تغيّر من داخله.
فالمحبّة الصادقة ليست دمعةً عند ذكره، ولا كلمةَ ثناءٍ في المجالس، بل أن يتحوّل حبُّه إلى اتباعٍ وسلوكٍ وتعظيمٍ لسنّته، كما لو كان يعيش بيننا الآن، يراك ويسمعك ويبتسم لك.
لقد عرّف الله محبّته لنا بشرطٍ واحدٍ لا يقبل الجدال:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}
فالمحبة ليست شعارًا، بل امتحانًا، والاتباع هو برهانها.
ومن أحبّ النبي ﷺ حقًّا، عظَّمه، ومن عظَّمه، أطاعه، ومن أطاعه، فاز بمحبّة الله.
🔹 قصة تفيض بالحب:
دخل أحد الصحابة على النبي ﷺ وهو حزين، فقال له رسول الله ﷺ: “ما بالك؟”
قال: “يا رسول الله، تذكّرتُ أننا سنُفارقك في الجنة، إن دخلناها، وأنت في عليّين.”
فبكى النبي ﷺ، ونزل قوله تعالى:
{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم…}
كانوا لا يرون في الجنة نعيمًا أعظم من صحبته ﷺ، ولا يرون طاعته أمرًا بل حُبًّا.
ذلك هو التعظيم الذي يُورِث القرب.
🔸 حين يكون الاتباع عبادة لا عادة:
كثيرون يتحدثون عن الرسول ﷺ، لكن القليل يعيشون أثره.
تعظيمه لا يكون برفع الصوت في مدحه، بل بخفض الصوت عند أمره.
ليس أن نحزن لفقده، بل أن نحيا على منهجه.
قال الحسن البصري:
“كانوا يرون حبّ النبي ﷺ في الاتباع لا في الادّعاء.”
كلّما ذكر المسلم سنّته، وجب أن يشعر أنه أمام إرثٍ مقدّس، لا مجرد تفاصيل فقهية.
حين يُعظّم القلب صاحب الرسالة، يُصبح كل حديثٍ له نورًا، وكل أمرٍ سببًا للسمو، وكل نهيٍ سبيلًا للنجاة.
🔹 ومضة من حياة العظماء:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ذُكر له حديث رسول الله ﷺ تغيّر وجهه، كأنه يسمع صوته الشريف.
وقال أنس بن مالك:
“ما رأيتُ أحدًا كان أعظم تعظيمًا لرسول الله ﷺ من عمر، حتى إن أحدنا لا يجرؤ أن يرفع بصره إليه إلا استحياءً.”
ذلك الجيل لم يكن يقرأ سيرته كما نقرأ نحن، بل كانوا يعيشونها.
كانت مشيتهم في السوق تذكّرهم به، وطريقتهم في الكلام تقرّبهم منه، كأن حبَّه سكن في تفاصيلهم حتى صار جزءًا من شخصيتهم.
🔸 تأمل:
تعظيم النبي ﷺ لا ينفصل عن الواقع.
هو أن نتعامل برحمته مع الضعفاء، وبأمانته في العمل، وبحلمه في الخلاف، وبعفوه في الانتصار.
هو أن نعيش أخلاقه في الشارع كما نقرأها في الكتب.
فكم من إنسانٍ يمدح سيرته، لكنه يعيش ضد روحه!
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“كمال التعظيم للنبي ﷺ أن لا يُقدَّم بين يديه قولُ أحدٍ كائنًا من كان، وأن لا يُؤخذ من الدين إلا ما جاء به.”
🔹 الخاتمة:
حين تُعظّم النبي ﷺ، تشعر أن كل أمرٍ منه وُلد من رحمة، وكل نهيٍ منه حماية.
وحين تُدرك أنه أحبّك قبل أن تراه، وأنه دعا لك ليلة بدرٍ وليلة الطائف، وأنه بكى شوقًا إليك — كما في الحديث:
“وددت أني رأيت إخواني.”
فتعلم أن تعظيمه ليس واجبًا فحسب، بل شرفٌ ووفاء.
سؤال المقال:
هل علاقتك برسول الله ﷺ هي معرفةُ سيرة… أم اتباعُ قدوة؟