
حين يغمرك كرمه
الفرح بفضل الله تعالى
ثمة لحظات في العمر، يُدهشك فيها عطاؤه حتى العجز، وتدرك أنك مهما فعلت فلن تردّ جميله.
تتذكّر أنك كثير النسيان، ضعيف الشكر، وأنه رغم ذلك ما زال يُكرمك في كل نفسٍ يدخل ويخرج دون أن تدفع ثمنه.
هناك لحظة صادقة بينك وبين نفسك، تدرك فيها أن فضل الله أكبر من أن يُقاس بالاستحقاق، وأنك تعيش لا لأنك تستحق، بل لأن الله أراد أن يُنعم عليك رغم كل تقصير.
الفرح بفضل الله هو أن ترى الكرم الإلهي في تفاصيل يومك: في عافيتك التي تظنها عادية، في الستر الذي يغشاك، في دعوةٍ استُجيبت دون أن ترفع صوتك بها.
هو أن تبتسم حين تُدرك أنك تُرزق فوق ما تتوقع، وأن الله يعطيك أحيانًا من حيث لا تدري كي لا يكسرك الانتظار.
كان داود عليه السلام ذات يومٍ يذكر نعم الله عليه، فقال:
“يا رب، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك تستحق الشكر؟”
فقال الله له:
“الآن شكرتني يا داود.”
كأن الله يُخبرنا أن أعظم الشكر هو أن نعرف أننا لا نقدر على شكره حقًّا، وأن الفضل كله له، لا لنا.
تأمل هذا المشهد العظيم:
عندما غرق فرعون في البحر، قال:
﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
فقال له الله جل جلاله:
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
ثم قال بعدها:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾
سبحان من جعل من جسده آية حتى بعد موته، ليكون الدرس قائمًا أن فضل الله لا يُعطى إلا لمن يرجوه وهو حيّ القلب، صادق الرجوع.
الفرح بفضل الله ليس أن تفرح بالعطاء وحده، بل أن تفرح بالمُعطي قبل العطاء.
أن ترى في كل ما عندك أثرًا من لطفه، وتستحي من غفل قلبك أمام سعة كرمه.
قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾
ففرح المؤمن ليس بما يملك، بل بما منّ الله به من إيمانٍ ورحمةٍ وهداية.
في سيرة النبي ﷺ قصةٌ تفيض بهذا المعنى.
لما عاد من الطائف مثخنًا بالجراح، دعا الله بقلبٍ منكسر وقال:
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس…”
فأرسل الله له جبريل، ومعه مَلَك الجبال يقول:
“إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.”
فقال ﷺ:
“بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا.”
يا لعظمة هذا القلب!
وسط الألم، لم يطلب نصرًا، بل أبدى رجاءً.
وسط الخذلان، لم يدعُ على أحد، بل فرح بفضل الله أن جعله رحيمًا حتى بأعدائه.
الفرح بفضل الله أن ترى النعمة وتقول: هذا من فضله لا منّي.
أن تستيقظ كل صباحٍ وأنت تعلم أن بقاءك على قيد الأمل فضل، وأن وجود من يحبّك حولك فضل، وأن رزقك، وصبرك، ودموعك التي تُطفئ النار فيك، كلها فضل.
أن تقول في سرّك:
“يا رب، ما أنا إلا بفضلك، ولو وكلتني إلى نفسي طرفة عين لهلكت.”
اقتباس جميل:
“الفضل ليس أن تُعطى أكثر، بل أن تُرزق قلبًا يرى في القليل عطايا لا تُحصى.”
قد يغفل الإنسان عن فضل الله حين يعتاد النعمة، ولكن حين يفقدها يعود راكعًا.
حين يشفى بعد مرضٍ، أو ينجو بعد خوف، أو يغفر الله له بعد زلةٍ عظيمة، يدرك أن الفضل أعظم من كل سعي، وأن الله أكرم من أن يُعاملنا بعدله فقط، بل بفضله الذي لا حدّ له.
❓ فهل جرّبت أن تفرح لا بما أُعطيت، بل بمن أعطاك؟