
حين تعود إلى الله – الفرح بالتوبة
ما أجمل لحظةَ الرجوع، حين يتهاوى ثِقَل الذنوب عن كتفيك كأنك خرجتَ من عاصفةٍ طويلة إلى فجرٍ طريّ النسيم.
تلك اللحظة التي تنهمر فيها دموعك لا لأنك حزين، بل لأنك تذوقت للمرة الأولى طعم الصفح الإلهي، ووجدت بين يديك قلبًا نقيًّا جديدًا.
إنها لحظةٌ تشبه ولادةً من نور، تكتشف فيها أن الله لم يبتعد عنك كما ظننت، بل كان ينتظرك عند بابٍ تركه مفتوحًا منذ الأزل.
تلك هي التوبة: أن تعود إلى الله لا هاربًا من العقاب، بل مشتاقًا إلى القرب، لا لأنك مذنب فقط، بل لأنك عرفت أخيرًا أنك ضائع دونه.
ذات ليلةٍ، في المدينة المنورة، جلس شابٌّ تائهٌ في طرقاته يهمس لنفسه بندمٍ ثقيل:
“هل يقبلني بعد كل ما فعلت؟”
فسمع مؤذن المسجد القريب ينادي:
“الله أكبر، الله أكبر…”
فتزلزل قلبه، كأن النداء خُصّص له وحده.
قام بخطواتٍ مرتجفة، توضأ بدموعه أكثر من الماء، وسجد.
في تلك السجدة، لم يقل كثيرًا، فقط قال:
“عدت إليك يا رب، فاقبلني.”
وفي لحظةٍ واحدة، شعر أن صدره انفتح، كأن غفرانًا من السماء انسكب فيه، وعلم أن الله لا يردّ قلبًا عاد إليه ولو بعد ألف خطأ.
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
آيةٌ كأنها حضن، فيها دفء السماح بعد طول التيه، فيها صوت الله يقول: عد، فما زال لك مكان عندي.
وفي حديثٍ نبويٍ عجيبٍ يصوّر فرح الله بتوبة عبده، قال ﷺ:
“لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح.”
تأمل هذا المشهد الإلهي العظيم، كيف يفرح الله بك حين تعود!
وكأن كل المسافة التي قطعتها في معصيتك تُمحى بخطوةٍ واحدة نحو رحمته.
في التراث، يُروى عن الفضيل بن عياض – وكان قاطع طريق – أنه سمع ليلةً رجلًا يقرأ:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾
فبكى وقال: “بلى والله قد آن، بلى قد آن.”
ومنذ تلك اللحظة تغيّر وجهه ووجه حياته، حتى صار من كبار العُبّاد.
هكذا تعمل التوبة: لا تغيّر وجهك فقط، بل تُبدّل ملامح روحك كلها.
التوبة ليست انكسارًا، بل بداية نهوض.
ليست نهاية الطريق، بل أوّله.
فكم من مذنبٍ صار وليًا، وكم من باكٍ في جوف الليل صار وجهه منيرًا نهارًا!
الله لا يُعيّره بذنبه، بل يُبدّله حسنات.
قال تعالى:
﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
تأملها جيدًا… لا يقول يغفرها فقط، بل يبدّلها!
أي كأن كل دمعةٍ صادقة، وكل ندمٍ خفيّ، يُحوَّل في ميزان الله إلى نورٍ ورفعة.
اقتباس جميل:
“التوبة ليست عودة إلى الماضي لتبكيه، بل عودة إلى الله لتبدأ من جديد.”
الفرح بالتوبة هو أن تشعر أنك خُلقت من جديد، أن تسير خفيفًا بعد أن كان ذنبك جبلًا فوق صدرك، أن تشكر الله لا لأنك لم تخطئ، بل لأنه سمح لك أن تعود بعد الخطأ.
الفرح بالتوبة أن تقول بقلبٍ مطمئن:
“يا رب، كنت أبحث عنك في الدنيا، فوجدتك في سجدة ندمٍ صادقة.”
❓ فهل جرّبت يومًا أن تفرح لا لأنك صرت طاهرًا، بل لأن الله ما زال ينتظرك لتعود؟