
حين تصفو الروح – الفرح بالطاعة
هناك لحظاتٌ تمرّ على القلب في الصلاة أو في السجود لا يمكن وصفها بالكلمات، كأنك تذوب فيها، وتسمع أنفاس روحك وهي تسبّح.
لحظةٌ يخشع فيها كل شيءٍ فيك، حتى ماضيك وأخطاؤك تسكت، لأنك تشعر أن الله ينظر إليك برحمةٍ، وأنك في مكانك الصحيح أخيرًا.
الطاعة ليست عادةً دينية فحسب، بل لقاءٌ بين قلبٍ ضعيفٍ وربٍّ كريم.
هي لحظةُ صدقٍ تعود فيها إلى نفسك التي أتعبها الركض خلف الدنيا، فتستريح على باب الله.
ومن ذاق هذا الفرح، علم أن السجود راحة، وأن القيام بين يدي الله هو أعظم شرفٍ يُمنح لإنسان.
يقول بعض الصالحين:
“لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذّة الطاعة، لجالدونا عليها بالسيوف.”
كلمةٌ تختصر كل ما لا يُقال.
فما الذي يدفع إنسانًا إلى قيام الليل، أو صدقةٍ خفيّة، أو دعاءٍ لا يسمعه أحد؟
إنه فرح الطاعة… الفرح الذي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل، من النقاء الذي يملأ القلب حين يطيع ربّه حبًا لا خوفًا.
في سير السلف تُروى قصة عجيبة:
كان عمر بن عبد العزيز يبكي في الليل حتى تبتلّ لحيته، فقالت له زوجته فاطمة:
“يا أمير المؤمنين، ما الذي يُبكيك؟”
فقال: “يا فاطمة، تولّيت أمر أمةٍ من المسلمين، فيهم الجائع والمريض والمظلوم، أخاف أن أُسأل عنهم يوم القيامة.”
لم يكن بكاؤه حزنًا، بل كان فرحًا من نوعٍ آخر: فرح الطاعة الصادقة التي تمزج الخوف بالحب، والرهبة بالطمأنينة.
حين تكون في طاعةٍ لله، تشعر أن الزمن يتوقّف، وأن الدنيا كلها تصمت.
كأنك خرجت من صخبها إلى فسحةٍ من نور، ترى فيها الأشياء بصفاءٍ جديد.
وهذا هو سرّ الطاعة: أنها لا تغيّر فقط ما تفعله، بل تغيّرك أنت.
فالمصلّي ليس هو ذاته قبل الصلاة، والمتصدّق ليس هو ذاته بعد الصدقة.
كل طاعةٍ تُنبت فيك جزءًا من الجمال الإلهي الذي يدعوك إليه.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾
أي يجعل لهم حبًّا في القلوب، وسكينةً في الأرواح، وفرحًا في الصدر لا يُفسَّر.
ذلك هو أثر الطاعة الذي لا تراه العيون، لكنه ينعكس في الملامح والسكينة.
وفي الحديث الشريف، قال رسول الله ﷺ:
“وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة.”
تأمل هذا التعبير النبوي البديع: لم يقل راحتي أو لذّتي، بل قرة عيني، أي الفرح الأعظم، السرور الذي يطفئ كل همّ.
فكل سجدةٍ خاشعةٍ، وكل ركعةٍ صادقةٍ، هي جسرٌ بين الأرض والسماء، بين ضعفك وقوّة الله، بين خوفك وطمأنينته.
اقتباس جميل:
“إذا أذن المؤذن، فاعلم أن الله يدعوك إلى فرحٍ جديد.”
الفرح بالطاعة لا يعني أن حياتك خاليةٌ من الألم، بل يعني أنك تعلم أن في كل ألمٍ معنى، وفي كل سجدةٍ دواء، وفي كل أمرٍ لله حياةً لقلبك.
فمن أطاع الله، عاش سعيدًا وإن بكى، ومن عصاه، عاش مضطربًا وإن ضحك.
❓ فهل ذقت يومًا فرحًا في طاعةٍ جعلتك تبكي لأنك شعرت أن الله قريبٌ منك؟