
خمسة أفراح لا تليق بالمؤمن
الفرح نعمةُ الله في الأرض، وابتسامةُ الروح حين تمسّها نسائم الرضا. إنه لحن القلب حين يشكر، وضياء العين حين تبصر النعمة منسوبة إلى واهبها لا إلى حول الإنسان ولا قوّته. ولكنّ الفرح، ككلّ عطايا الله، سلاح ذو حدّين؛ فإن تجاوز موضعه انقلب غفلة، وإن نسي صاحبه الله صار نقمةً مقنّعة بوجه النعمة.
في زحمة الحياة، صرنا نطارد السرور كما يُطارد السراب، ونسينا أن ليس كل فرحٍ بركة، ولا كل ابتسامةٍ طهراً. كم من ضاحكٍ تاه قلبه وهو يظن أنه في طريق النور، وكم من متألمٍ وجده الله في طريق الرضا. الفرح امتحان، كما الحزن امتحان، غير أن الأول يبتلي القلوب بنعمةٍ قد تغرّ، والثاني يبتليها بوجعٍ قد يطهّر.
في القرآن الكريم، ورد ذكر الفرح في مواضع متباينة؛ فرحٌ محمودٌ يدل على الشكر والإيمان، وفرحٌ مذمومٌ يشي بالغرور والبطر ونسيان المآل. قال تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}،
ثم قال في موضع آخر:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}.
فشتّان بين فرحٍ يقود إلى الله، وآخر يقطع الطريق إليه.
هذه السلسلة هي وقفة صادقة أمام خمسة أفراحٍ نهى الله عنها، خمس لحظاتٍ يظنّها القلب خيرًا، فإذا بها طريقٌ إلى غفلةٍ لا تُرجى بعدها يقظة، إلا لمن أضاء الله قلبه بنور البصيرة.
أولها الفرح بالحياة الدنيا، حين يُبهجك زيفها وتُنسيك حقيقتها. كم من إنسانٍ ظنّ أن البسمة في وجه الدنيا دليلُ رضا الله، فاستغرق في متاعها الزائل، وغفل عن أن الدنيا لا تضحك لأحدٍ إلا لتسلبه شيئًا عزيزًا بعد حين. نرى من يفرح بالمال، أو بالجاه، أو بلمعان المنصب، ثم يغيب عنه أن كل ما في يده مؤقت، وأن الفرح الحق هو ما كان بالنجاة لا بالنعمة. إنها فرحة من خدعته الزينة وغرّته الأنوار، فاختار الضجيج على الهدوء، والمظهر على الجوهر، والنقص على الكمال.
وثانيها الفرح بمصيبةٍ نزلت بمؤمن، وهو فرحٌ يُطفئ في القلب نور الرحمة. فما أقسى أن يتلذّذ إنسانٌ بوجع غيره، أو يأنس لسقوط من زلّت قدمه! تلك قسوةٌ تُميت الروح وتجرّ غضب السماء، وقد قال نبيّ الرحمة ﷺ: «لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك». فالمؤمن الحق إذا رأى أخاه مبتلى رقّ له قلبه، واستغفر له، وخاف أن يُبتلى بمثل ما رأى. أمّا من يفرح بدمعة غيره، فذلك قلبٌ أُغلِق عليه باب الرحمة حتى صار لا يسمع أنين الخلق ولا نداء السماء.
وثالثها الفرح بالجماعة دون المسلمين، حين يُقدَّم الانتماء على الإيمان، والهوى على الحق. فيفرح الإنسان بانتصار من يوافقه الهوى، ولو كان على ضلال، ويحزن لانكسار من يخالفه، ولو كان على الهدى. وهذه فتنةٌ تمزّق الأمة وتغرس العداوة بدل الألفة. الولاء في دين الله ليس للحزب ولا للعَلم، بل للحق حيث كان، وللمؤمنين حيث وُجدوا. فكل فرحٍ يُفرح فيه بانقسام الأمة، أو بانتصار فئةٍ ظالمة على أخرى مؤمنة، هو فرحٌ يُغضب الله، لأنه يقدّس العصبية ويهدم الأخوة.
أما رابع الأفراح، فهو الفرح في الأرض بغير حق، وهو فرحُ البطر والغرور الذي وصفه الله في قصة قارون. حين يرى الإنسان النعمة ملكًا له لا وديعة، والقدرة فضلاً من نفسه لا من مولاه، فينتفخ كبرًا ويتزين تباهيًا. ذاك الفرح الذي يرفع الرأس في الأرض، ليُخفضه في الآخرة. إن من عرف أن النعمة ابتلاء، لا يفرح بها فرح الغافلين، بل يشكرها بخشوع، ويخاف زوالها تواضعًا.
وأخيرًا، الفرح بالخبث والخبثاء، حين يُصفّق الناس للشرّ ويضحكون لأهل الفساد، ويُرفع الخبيث لأن الناس سكتت، ويُهان الطيّب لأنهم ما ناصروه. في زمنٍ كهذا، يصبح الضياء غريبًا، والصدق متعبًا، والأخلاق القديمة تُسمّى ضعفًا. فيا ويح قلبٍ يفرح بما يُغضب الله، ويا فوز قلبٍ يحزن حين يُهان الحق، ولو كان وحده في الحزن.
هذه الأفراح الخمسة ليست دعوةً إلى الحزن، بل إلى فرحٍ أنقى؛ فرحٍ يعرف قدر الله، ويدرك معنى النعمة، ويخاف لحظة الحساب. إنما هي نداءٌ لأن نراجع ما يبهجنا، ونسأل أنفسنا بصدق:
هل ما يُفرح قلبي اليوم يُرضي الله غدًا؟