دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

حين تضحك من دمعة مؤمن

(الفرح بمصيبة نزلت بمؤمن)

القلوب تختلف في رؤيتها للألم، فهناك قلب يتوجع حين يرى أخاه منكسرًا، وقلبٌ آخر يبتسم في موضع البكاء. وما أقسى أن يكون فرح الإنسان موقوتًا على سقوط غيره، أو أن يجد لذّته في مصيبة أخيه، كأنما البلاء متعة والعثرة نصر.
إنها لحظة انطفاء في ضمير المرء، حين ينسى أن الأيام دول، وأن الدهر دوّار، وأن من ضحك اليوم ربما يبكي غدًا، ومن سقط اليوم قد يقوم غدًا شامخًا برعاية الله.

في كل شماتةٍ حكايةُ قلبٍ قاسٍ، نسي أنه بشر، وأن الله قادر أن يبدّل المواقع بين لحظةٍ وأخرى. لذلك قال النبي ﷺ:

«لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك».
حديثٌ قصير، لكنه يحمل ميزان العدل الإلهي كله. فالفرح بمصيبة مؤمنٍ ليس فقط ذنبًا في حقّ الأخوّة، بل هو تحدٍ خفيٌّ لرحمة الله، كأن الشامت يقول بلسان حاله: “أنا بمنأى عن البلاء”، فيأتيه القدر ليكسر تلك الدعوى، ويعلّمه أن لا أحد آمن من اختبار الله.

كم من رجلٍ شمِت بسقوط غيره، فابتُلي بسقطةٍ أشدّ، وكم من إنسانٍ سخر من دمعةٍ صادقةٍ فذاق مرارتها في نفسه، وكم من لسانٍ استبشر بعثرة مؤمنٍ فأصابه ما هو أوجع.
الشماتة في حقيقتها ليست إلا صورةً من صور الغرور؛ إذ تجعل الإنسان يرى نفسه في مقام الطهر المطلق، وينسى ضعفه.
ولو أمعن قليلًا في قلبه لوجد أن الله ستره فقط، ولم يبرّئه.

ولنا في قصة إخوة يوسف شاهدٌ على ذلك. حين ألقوه في الجبِّ فرحين، ظنّوا أنهم نالوا مرادهم وقطعوا طريق الحلم. لكن الله، الذي لا ينسى المظلومين، رفع يوسف يومًا حتى احتاجوا إليه خاشعين، فبكوا بين يديه.
وهكذا كل شامتٍ بمؤمنٍ مبتلى، ينسى أن الله يدبّر ببطءٍ وعدل، وأن فرحته الصغيرة على ألم غيره ستعود عليه بأسى لا يُحتمل.

قد يبتلي الله مؤمنًا في صحته أو رزقه أو سمعته، لا ليُهينه، بل ليرفعه. ومن يفرح بذلك البلاء، يفرح بما اختاره الله تطهيرًا لعبده، وكأنه يفرح باختيارٍ ربانيٍ لم يفهم حكمته.
وهنا تكمن خطورة الفرح بالمصيبة: إنه طعنٌ في عدل الله قبل أن يكون طعنًا في كرامة المبتلى.

كان أحد الصالحين يقول: “لو رأيت أخاك على معصيةٍ فاحزن له، فإن الفرح بها معصيةٌ أخرى.”
وهذا هو الفرق بين قلبٍ عرف الله وقلبٍ لم يعرفه؛ الأول يرحم، والثاني يُدين. الأول يتألم لمشهد الضعف لأنه يذكّره بضعفه هو، والثاني يستهزئ لأنه لا يرى أبعد من نفسه.

الشماتة لا تكون فقط بالكلام، بل بالنظرة، بالتلميح، بالسكوت حين ينبغي الدعاء. كم من قلبٍ رأى غيره يتألم فمرّ بجانبه صامتًا، لا بكلمةِ مواساةٍ ولا دعوةٍ خفية، وكأن الحزن لا يعنيه. إن هذا الصمت أيضًا شماتة، لأنه خالٍ من الرحمة، وأول صفات الإيمان الرحمة.

الفرح بمصيبة مؤمنٍ يطفئ نور القلب، لأنه يبدّل الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ فالمؤمن مفطورٌ على مواساة الملهوف، لا على التشفي منه.
ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ:

«اللهم لا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا».
فما دخل الغلّ قلبًا إلا أطفأ فيه الرحمة، وجعله يفرح بوجع من كان يومًا جاره، أو صاحبه، أو أخاه.

تأمل في حال الدنيا: كم من مشهورٍ سقط، وكم من غنيٍّ افتقر، وكم من عزيزٍ أذلّه الله ليُعلّمنا أن الكمال لا يُعطى لأحد.
كل شماتةٍ تُدوَّن، وكل فرحةٍ على مصيبة غيرك تُحصى، حتى إذا جاء يومٌ تكون أنت فيه موضع البلاء، تتذكّر كل ضحكةٍ أطلقتها يومًا فوق وجع الآخرين.

يا صاحبي، إن الحزن على مصيبة غيرك عبادة، والفرح بها خيانة. الرحمة ليست ضعفًا، بل هي مقياس الإيمان الحقيقي. فمن رقّ قلبه عند الألم، رقّ له الله يوم الألم الأكبر.

حين ترى أخاك يبكي، فاقترب منه، لا لتخبره أنك كنت على حق، بل لتقول له: “كلنا نُبتلى، فاثبت، فالله معنا.”
فالقلوب التي تتعانق في الحزن هي وحدها التي تفرح فرحًا نقيًا يوم اللقاء.

لا تفرح بعثرة أحدٍ؛ فالطريق طويل، وغدًا قد تكون أنت المارّ في ذات الحفرة.

فقل لي يا صاحبي، هل فرحت يومًا بعثرة غيرك… فنسيت أنك بشرٌ مثله؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة