
عينٌ تنظر في ملكوت السماوات والأرض
في لحظةِ سكونٍ يتسلّل فيها الليلُ إلى أطراف الأرض، ترفعُ عيناك نحو السماء، فتجدها غارقةً في زينةٍ لا تنتهي. نجومٌ معلّقة، كأنها نوافذ مفتوحة على عوالم الغيب، وقمرٌ يسري بين السحب في موكبٍ من الطاعة، لا يعصي أمرَ من قال له: كن فكان. في تلك اللحظة، تُدرك أنّ النظر ليس مجرّد فعلٍ بصريّ، بل عبادةٌ صامتة، يتحدّث فيها القلبُ بلسان العيون.
لقد مدح اللهُ تعالى عباده الذين يتفكرون في خلقه فقال:
“الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار.”
إنها عين المؤمن، لا تنظر عبثًا، بل ترى وراء المظاهر معنىً، ووراء الصورة آية. حين تتأمل الزرقةَ في السماء، والخضرةَ في الأرض، وتوازن المطرِ والحرارةِ والفصول، تدرك أن كلّ هذا ليس صدفة، بل نظامٌ دقيق كُتب في لوحٍ محفوظ.
العين التي تنظر في ملكوت السماوات والأرض لا تزداد إلا خشوعًا. فكلّ مشهدٍ يمرّ بها يُصبح دعوةً للتفكّر: لماذا رُفعَت السماءُ بلا عمد؟ ولماذا تجري السحب كأنها تسعى بأمرٍ معلوم؟ ولماذا تُبدّل الأرضُ لونها كلّ فصلٍ كأنها تحيي وتموت؟
إنها أسئلة الإيمان التي تلد من رحم التأمل.
ولهذا قال بعض السلف: “تفكرُ ساعةٍ خيرٌ من قيام ليلةٍ.” لأنّ النظر إذا استيقظ معه القلبُ صار عبادةً، أما إذا غفا القلبُ صار عادةً.
ولم يكن التفكّر وصفًا للزهاد فقط، بل كان سلوك الأنبياء. تأمل خليلَ الرحمن إبراهيم عليه السلام، كيف رفع بصره إلى السماء باحثًا عن الحق، فرآى كوكبًا ثم قمرًا ثم شمسًا، ثم قال بقلبٍ ممتلئ باليقين: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين.”
كانت تلك النظرة بداية النور، ومفتاح الهداية.
وفي كل عصر، يولد من بين الناس من يُشبه إبراهيم في عينٍ متفكرةٍ تسأل لا لتكفر، بل لتؤمن أكثر. ترى العالم حولها ككتابٍ مفتوحٍ من آيات الخلق، فتعرف من خلاله كمال الخالق.
إن التفكر في الكون ليس رفاهيةً فكرية، بل هو غذاءٌ للروح، وشهادةُ حبٍّ لله تُكتب بالنظر قبل اللسان.
وكم من إنسانٍ تغيّرَت حياته بنظرةٍ واحدةٍ إلى السماء!
رُوي عن أحد العابدين أنه كان في شبابه غارقًا في اللهو، حتى جاءه يومٌ خرج فيه من المدينة ليرى طلوع الفجر من جبلٍ قريب، فلما رأى خيوط النور تشقّ ظلمة الليل، قال في نفسه: “يا من يُخرج النور من جوف الظلمة، أخرج نور قلبي من ظلمات الغفلة.”
ومن تلك اللحظة تغيّرَ طريقه، لأن العين إذا صدقت في النظر، أيقظت القلب من مواته.
إن التفكر في ملكوت السماوات والأرض يُعلّم الإنسان دروسًا في التوازن، في الصبر، في الثقة. ترى النجم لا يظهر إلا ليلًا، فتتعلم أن أجملَ النور يولد في العتمة. ترى الشجرة تُثمر بعد انتظارٍ طويل، فتتعلم أن الصبر طريق النضج. ترى الجبال شامخةً لا تتغير رغم الرياح، فتتعلم الثبات في المواقف.
وما أجمل أن ننظر كما نظر النبي ﷺ إلى السماء، رافعًا بصره في خشوعٍ واطمئنان، ثم يقول كما في الحديث:
“اللهم ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار.”
تلك ليست مجرد كلمات، بل إعلانُ حبٍّ لله عبر العين.
فيا من وهبك الله عينين، هل رأيت بهما آيات ربك كما ينبغي؟
هل تركت لهما لحظةً لتُبصر ما وراء الجمال من جلال، وما وراء الوجود من موجد؟
فإن العين التي ترى الله في خلقه، لا تعود بعدها كما كانت، لأنها ذاقت حلاوة النظر إلى الحق من خلال الخلق.
سؤال الختام:
هل نظرت يومًا بعين قلبك قبل عين رأسك، فرأيت ما وراء الجمال من جلال؟