
عينٌ باتت تحرس في سبيل الله
في زمانٍ كثرت فيه العيون الساهرة على الدنيا، ما أجمل أن تبقى هناك عيونٌ تسهر لله؛ لا لأجل مالٍ أو مجدٍ أو شهرة، بل لأجل أن تبقى القيم حيّة، والإيمان ثابتًا، والقلوب آمنة.
العين التي تحرس في سبيل الله ليست بالضرورة تلك التي تترقّب في ميادين القتال فقط، بل هي كل عينٍ سهرت لأجل طاعة، أو نصرة، أو دعاء، أو حمايةٍ لخيرٍ أراده الله.
فكم من مؤمنٍ سهر في صمتٍ يدعو، وكم من أمٍّ سهرت بجانب ولدها المريض صابرةً محتسبة، وكم من داعٍ أو مجاهدٍ أو مصلٍّ بات يحرُس في سبيل الله — فكتبت له الملائكة أجر العين التي لا تمسّها النار.
قال النبي ﷺ:
“عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله.”
حين تسهر تلك العين، لا تعرف التذمر، ولا يثقلها التعب؛ لأن في داخلها يقينًا أن السهر لأجل الله راحة، وإن بدى في ظاهره نصبًا.
تسهر بينما الناس نيام، تحفظ حدودًا، أو ترابط على ثغرٍ من ثغور الخير، كمن يسهر على مريضٍ أو طالب علمٍ أو مشروع دعوةٍ أو على حدود وطنٍ يحمي أهله.
كلّهم يدخلون في المعنى الواسع لقول النبي ﷺ: “عينٌ باتت تحرس في سبيل الله.”
يُروى عن أحد الجنود أنه كان في ليلةٍ شديدة البرودة على ثغرٍ من ثغور المسلمين، فسمع المؤذن في البُعد يقول: “الله أكبر”.
فرفع بصره إلى السماء وقال: “اللهم إني سهرت الليلة لا لأنال دنيا، ولكن لأني أحب أن يقال لي يوم القيامة: هذه عينٌ باتت تحرس في سبيلك.”
ثم أغمض عينيه قليلًا يستريح، وهو يبتسم، فقيل إنه لم يستيقظ بعدها، فمات على تلك الحال، ووجهه مضيء كأنه يغفو على وعدٍ كريم.
هكذا تكون نهاية من سهر لله، لا لأجل نفسه.
وقد لا نحمل سلاحًا في أيدينا، لكننا نحمل قيمًا وأماناتٍ تحتاج إلى من يحرسها.
فالمعلّم الذي يسهر يعدّ دروسه بإخلاصٍ ليُربي جيلًا صالحًا، عينُه باتت تحرس في سبيل الله.
والطبيب الذي يترك راحته ليُسعف مريضًا، عينُه باتت تحرس في سبيل الله.
والقلب الذي يسهر يدعو للمظلومين والغرباء والمكلومين، عينُه باتت تحرس في سبيل الله.
فالمعنى أوسع من السلاح، وأعمق من الحدود؛ إنه السهر لأجل الحق والرحمة والعدل والإيمان.
في حديثٍ آخر قال ﷺ:
“رباط يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها.”
والرباط لا يعني فقط الوقوف بالسلاح، بل الوقوف بالنية الصافية، والحراسة الصامتة التي لا يراها إلا الله.
وحين يسهر العبد في سبيل الله، فإن الله لا يتركه، بل يسهر عليه برحمته.
جاء في الأثر أن الله يقول لملائكته: “انظروا إلى عبدي، ترك نومه لأجلي، فإني أكتب له نومًا في الجنة لا تعبَ بعده.”
العيون التي تحرس في سبيل الله لا تذبل، لأنها تشرب من نهر الإخلاص.
والذين يسهرون لله، يُنير الله بهم ظلمات الأرض.
قال أحد الصالحين: “الليل جُنّة العابدين، وسكونه راحةُ العيون التي تحرس الإيمان في القلوب.”
فإذا سهرت لخيرٍ، أو قمت بواجبٍ، أو حملت همًّا نبيلاً، فاعلم أن عينك تلك في حفظ الله.
وإن دعوت ربك أن يجعلك من “العيون التي لا تمسها النار”، فليكن لك نصيبٌ من السهر الشريف، سهرٍ فيه نيةٌ وصدق.
ولعلّ من أجمل صور هذه العين اليوم — عين المريض الذي لا ينام من الألم لكنه يرضى، فيُكتب له سهره حراسةً لإيمانه وصبره.
فمن سهر على جرحه مؤمنًا محتسبًا، كمن سهر في الثغر يحميه، لأن كليهما يحرس ما يحب الله أن يُحفظ: الصبر والإيمان.
حين يُغلق الناس أعينهم على تعب النهار، تبقى هناك عينٌ يقِظة، تُردد في صمت:
“يا رب، احفظ عبادك، وسدّد خطاهم، وكن معهم.”
تلك العين وحدها تكفي لتكتب في ديوان العارفين، الذين ناموا قليلًا، وسهروا لأجل أن ينام غيرهم آمنًا.
سؤال الختام:
في زمنٍ كثرت فيه الغفلات، هل بقيت فينا عيونٌ تسهر لله لا لسواه؟