
“لا تقترب من النار… الابتعاد عن مواطن الفتن”
هناك طرق لا يُفترض بالإنسان أن يمرّ بها أصلًا، لأن المرور نفسه هزيمة، والنظر إليها بداية سقوط.
فالفتنة ليست قوة في ذاتها، ولكنها تكبر حين نقترب، وتضعف حين نبتعد، وتموت حين نغلق عنها أبواب القلب.
وما أصدق قول السلف:
“البعيد عن النار… أَسلَم.”
معنى الابتعاد عن الفتن
أن تدرك أنّ قلبك أغلى من أن تغامر به، وأن نفسك أضعف من أن تُعرّضها لاختبار لا يلزم.
ليس الشجاع من يقترب من مواطن الهلاك ثم يزعم القوة،
بل الشجاع من يعرف نقطة ضعفه، ويتجنّبها.
إنّ الطريق الذي تُعرَض فيه الصور، وتُفتح فيه الشاشات بلا رقيب، ويكثر فيه التزيين، طريق خطير…
ليس لأنك ضعيف، بل لأنه مصمَّم لاصطياد أقوى النفوس.
قال ابن الجوزي رحمه الله:
“ما خُلق الإنسان من نورٍ كله، بل من شهوة وعقل، فإذا رأى الفتنة، سبقت الشهوة، إلا من لطّفه الله.”
قصة تُفسّر لك معنى النجاة بالابتعاد
يحكى أن رجلًا صالحًا كان يسكن في أطراف القرية، وكان كلما أراد أن يذهب إلى السوق، مرّ بطريقين:
طريق مختصر، يمرّ على حيٍّ تكثر فيه المناظر التي تفتن القلب،
وطريق أطول، يحتاج إلى تعب وزيادة وقت.
ومع أنّ الاختصار يغري كل إنسان، كان ذلك الصالح لا يقترب من الطريق الأول أبدًا.
فسأله أحد جيرانه:
“يا رجل، ما بك؟ الطريق المختصر أمامك!”
فقال:
“الطريق المختصر يختصر المسافة، لكنه يطيل الحساب يوم القيامة.”
فسكت الرجل، وعرف أن النجاة ليست في أن تمشي بسرعة،
بل في أن تمشي بأمان.
الفتنة أصبحت أقرب من الأصبع للعين
اليوم لم تعد الفتنة على الطرقات فقط…
هي في الهاتف، في إعلان، في نافذة عابرة، في مقطع، في صفحة توصيات.
ولذلك… فإن أعظم أبواب النجاة: إغلاق أبواب الضعف.
قد تقول: “لكنني لن أتأثر.”
وأقول لك:
الحكمة ليست أن تقاوم دائمًا،
بل أن لا تُضطر للمقاومة من البداية.
إن الماء حين يقطر على حجر… لا يظهر أثره أول يوم،
لكن بعد زمن… يُثقب الحجر.
فكيف بقلب إنسان؟
لماذا أمر الله بالابتعاد قبل النهي؟
تأمل قول الله تعالى في سورة النور:
“وَقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ”
وقبلها:
“وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى”
لم يقل: لا تزنوا…
قال: لا تقتربوا.
لأن الاقتراب بداية الوقوع، والمشهد الأول بداية الانزلاق، والخطوة الصغيرة بداية الطريق الطويل.
كيف تبتعد عن مواطن الفتن عمليًا؟
1. حِمية النظر كما تحمي صحتك
هل رأيت شخصًا لديه داء خطير ويقترب مما يؤذيه؟
لا.
وكذلك القلب… إن عرف ضعفًا، وجب أن يحمي نفسه.
2. تنظيف هاتفك وبعيدك الإلكتروني
احذف التطبيقات التي تفتح عليك أبوابًا لا تحتاجها.
غيّر صفحاتك، صفِّ حساباتك، واجعل وصول الفتنة إليك أصعب ما يمكن.
3. لا تبقَ وحدك طويلًا مع الشاشة
الوحدة تُضعف الإرادة، وتجعل الفتنة أكثر لمعانًا.
كوّن عادات جديدة: قراءة، سماع ذكر، كتابة، عبادة صغيرة… أي شيء يشغلك بخير.
4. أن تعرف متى تكون ضعيفًا
وقت التعب، وقت السهر، وقت الهمّ…
هذه الأوقات ليست مناسبة للمواجهات.
إن شعرت بضعف… أغلق باب الفتنة فورًا.
5. الصحبة
أصدقاؤك يا محمد لهم أثر كبير…
قريبك الصالح يبعدك عن النار،
وقريبك الغافل يقودك إليها.
اقتباسات تنير الطريق بعيدًا عن الفتن
- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“ما أُصرع عبدٌ بفتنة إلا قال: من أين جئت؟ وما جئت إلا من تَرك الحذر.” - وقال بعض الحكماء:
“ليس العجب ممن هلك عند الفتنة… إنما العجب ممن اقترب منها وهو يعلم نفسه.” - وقال ابن القيم:
“من ظن أنه يقوم للفتنة وحده، فقد ظن بنفسه ما ليس فيها.”
الابتعاد ليس هربًا… بل بطولة
هناك من يظن أن الابتعاد ضعف…
والحقيقة أنه ذكاء روحي.
من يبتعد ليس خائفًا، بل عارفًا.
يعرف أن قلبه ليس ملكًا للصور، بل ملك لله.
يعرف أن عينه ليست سلاحًا ضده، بل طريق إلى الجنة إن حفظها.
الفتنة مثل النار…
قد تقول: “سأقترب قليلاً ولن تمسني.”
لكن النار لا تُعطي ضمانات.
والقلب كذلك… يتغير بنظرة.
حين تُبعد نفسك، أنت تقرّب روحك
كل خطوة تبتعد بها عن الفتنة…
هي خطوة تقترب بها من الله.
وكل باب تغلقه على الشهوة…
يفتح لك بابًا من الطمأنينة.
ومع الأيام…
تصبح نفسك مُدرّبة،
وعينك أنقى،
وقلبك أصلب،
وكأن الله يبارك خطواتك لأنك اخترت النجاة.
سؤال نهاية المقال
إذا كان الطريق المختصر يوصلك إلى فتنة… فهل تستحق لحظة النظر أن تطيل عليك طريق الآخرة؟