دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

ثواب غضّ البصر… وعقاب إطلاق البصر: طريق يرفعك أو يضعك

يقولون إن العين أوّلُ رسالةٍ يبعثها القلب، وأوّل سهمٍ ينطلق من الداخل دون استئذان؛ سهمٌ قد يكون نورًا يرفعك، أو نارًا تحرقك. وليس شيءٌ في الإنسان أسرعُ خيانةً من طرف العين، ولا أخطر من نظرةٍ تسبق الوعي، فتفتح بابًا كان ينبغي أن يبقى مغلقًا. ولأنّ البصر نافذةٌ كبرى إلى القلب، جاء الشرع يحيطها بسياج الرحمة، ويأمر بغضّها عن مواطن الزلل، حتى لا يقع القلب فيما لا يُطيق حمله.

قال تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ…﴾
ومجيء الأمر بصيغة الجمع يدلّ على أن هذا التكليف ليس لفئةٍ دون أخرى، بل هو صيانةٌ للجميع؛ رجالاً ونساءً.


البصر طريق إلى القلب… إمّا نورٌ وإمّا ظُلمة

كان الإمام ابن القيم يقول:

“النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته.”

فالنظرة ليست حدثًا عابرًا، بل بذرةٌ قد تُنبت شهوةً، أو تُنبت حكمةً، وقد تجرّ الإنسان من خطوةٍ صغيرة إلى هاويةٍ واسعة. ولأنّ القلب بابه العين، فإن أول العلاج يكون من ضبط هذا الباب.

يُروى أن شابًا جاء إلى أحد الصالحين يشكو: “إني لا أستطيع الثبات، قلبي يتقلّب”. فسأله الشيخ: “كم تُطلق بصرك في يومك؟” فقال: “كثيرًا”. فقال له الحكيم: “من لم يحفظ نافذته، دخلت عليه الرياح من كل مكان، فزعزعت سكينته”.

هكذا هي النظرة؛ تبدأ بريئة، ثم تصبح عادة، ثم تتحول إلى شهوة، ثم قد تصبح هَمًّا يلتهم القلب.


ثواب غضّ البصر… رفعةٌ في الدنيا ونورٌ في الآخرة

لم يأمر الله بشيءٍ إلا وفيه خير، ولغضّ البصر ثمارٌ لا تعدّ ولا تُحصى:

١) نورٌ في القلب وطمأنينة
من غضّ بصره عمّا حرّم الله، شعر بنورٍ في داخله، نورًا يجعله ثابتًا أمام الفتن، لأن العين التي تحفظ أوامر الله، يحفظ الله بها قلب صاحبها. ولذلك قالوا: “من أطلق بصره أظلم قلبه، ومن غضّه أشرق صدره”.

٢) قوة الإرادة
من يستطيع أن يحبس نظرة، يستطيع أن يحبس شهوة، ويقاوم عادة، ويكسر ضعفًا. ولهذا كان غضّ البصر مدرسةٌ لصناعة الرجال والنساء الذين لا تهزمهم رغباتهم.

٣) محبة الله
جاء في الحديث:

“النظرة سهمٌ من سهام إبليس، فمن تركها من مخافة الله، أبدله الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه.”

وهل هناك أجمل من أن يعوّضك الله نورًا في صدرك بدل نظرةٍ زائلة؟

٤) حسن الفراسة
يقول بعض السلف: “من عمّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بمراقبة الله، وغضّ بصره عن الحرام… لم تُخطئ فراسته”.
فإنّ العين حين تُحفظ، يمنح الله لصاحبها بصيرةً أعمق من النظر.


وأما عقاب إطلاق البصر… فخسارةٌ تبدأ من الداخل

للنظرة المخالفة عقاب، ليس دائمًا عقابًا ظاهرًا، بل قد يكون في القلب:

١) ظُلمةٌ داخلية لا يشعر بها إلا صاحبها
تجد القلب يتقلّب، والروح تتعب، والإنسان لا يدري لماذا يشعر بالضيق… بينما السبب نظراتٌ متتابعة لم يُغلق بابها.

٢) ضعف الإرادة أمام أي شهوة
من اعتاد أن لا يسيطر على عينه، يعتاد أن لا يسيطر على شيء.

٣) الابتلاء بتعلّقٍ مؤذٍ
كم من نظرةٍ صارت شهوة، وكم من شهوةٍ صارت وهمًا، وكم من وهمٍ صار ألمًا يجرّ القلب إلى ما لا يستطيع الخلاص منه.

٤) حرمان الراحة
دوام النظر يورث قلبًا مشغولاً بما لا ينبغي، ويشتت الروح، ويضعف التركيز، لأن كل نظرة تُفتح بها نافذةٌ جديدة للانشغال.


قصة شابٍ غضّ بصره… فرفعه الله

يُحكى عن شابٍ في زمن الإمام مالك، كان جميلًا، لكنه كان شديد الأدب. تقول القصة إن امرأةً في المدينة أعجبها جماله، فتبعت خطواته يومًا، فلما التفت إليها غضّ بصره فورًا، وغيّر طريقه.
لكن المرأة اقتربت وقالت له: “يا فتى، ما رأيت أجمل منك!”.
فقال لها وهو مطأطئ الرأس: “وفي غضّي بصري عنك، جمالٌ لكِ ولي”.
فقالت: “ولمَ؟”
قال: “لأنه يمنع عنكِ ذنبًا، ويمنع عني ذنبًا… ولا خير في جمالٍ يقود إلى معصية.”

فبكت المرأة، وتابت، وصار ذلك الشاب من أهل الفضل.
هكذا يرفع الله من يغضّ بصره، ليس فقط في الآخرة، بل في قلوب الناس.


كيف نغضّ البصر في زمن الشاشات؟

لم يعد غضّ البصر متعلقًا بالشارع فقط، بل بالشاشة التي نحملها في جيوبنا.
ولكن الحل واحد:

  • غيّر الصفحة فورًا
  • اضبط سلوكك على مبدأ “أول نظرة لك… الثانية عليك”
  • لا تعطِ نفسك فرصة أن تتعلق
  • تذكّر أن الله يراك

وفي كل مرة تنجح في كسر نظرة، يتشكل داخلك إنسانٌ أقوى.


ختامًا…

البصر طريقٌ.
طريقٌ يُمكن أن يرفعك إلى نورٍ يملأ قلبك ويثبتك،
وطريقٌ آخر قد يُطفئ ما في قلبك من طمأنينة ويجرّك شيئًا فشيئًا إلى الضعف.

والفرق بين الطريقين…
مجرد نظرة.

فهل ستجعل بصرك جسرًا إلى رضا الله؟
أم نافذةً يدخل منها ما يضعف قلبك؟

أيُّ الطريقين تختار؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة