
“لا تكن موسمياً ولا مزاجياً – عن الاستمرارية والثبات في العبادة”
كم من مؤمن يبدأ الطاعة بحماس عظيم، ليجد نفسه بعد أيام أو أسابيع متراجعًا، يتأثر بالمزاج، أو يترك الأعمال الصالحة في مواسم معينة فقط؟ الطاعة لله ليست شعورًا عابرًا، ولا لحظة حماس مؤقتة، بل هي استمرارية وثبات، وروح متصلة بالله في كل الأوقات.
العبادة الموسمية أو المزاجية تعكس ضعف القلب، فهي مرتبطة بالراحة أو بالظروف، وليست نتاجًا لنية صافية وروح صلبة. بينما المؤمن المستمر في طاعته، يعيش حياة متكاملة، تكون كل لحظة فيها فرصة للتقرب إلى الله، بغض النظر عن المزاج أو الظروف المحيطة.
يحكي لنا التاريخ قصة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي كان يداوم على العبادة والصلاة، ويجعل كل يوم فرصة لتقوية قلبه بالذكر والطاعة، دون تردد أو تأجيل، رغم الصعوبات والمشاغل. استمراريته لم تكن نتاج مزاج، بل هي نتيجة قلب متصل بالله، وروح واعية بقيمة كل لحظة.
القرآن يحثنا على الاستمرارية في العبادة:
“وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” (العنكبوت: 69)
الجهاد في سبيل الله ليس موسميًا، والطاعة الحقيقية تتطلب ثباتًا على الطريق، لا تركًا عند أول تعثر أو تراجع.
تخيل إنسانًا يبدأ الصيام بحماس، ثم يتوقف بمجرد انشغاله أو شعوره بالملل. أو شخصًا يحافظ على الصلوات جماعة في المسجد أيامًا، ثم يتركها بمجرد تغيّر المزاج أو الظروف. هذا نوع من العبادة المزاجية، لا يمنح القلب سلامًا ولا الروح قوة.
في المقابل، الاستمرارية تثمر نورًا داخليًا وطمأنينة روحية. كل فعل صالح يتم يوميًا، حتى لو كان صغيرًا، يصبح جسرًا يربطك بالله، ويقوي شخصيتك، ويصنع عادة روحانية في قلبك. فالصبر على الطاعة، والمواظبة عليها، أفضل من كيل من الأعمال الكبيرة المتقطعة.
كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
“ثبات القلب على الطاعة خير من كثرة الأعمال متقطعة”
فالروح التي تتواصل مع الله باستمرار، مهما كانت الظروف صعبة، تجد نورها دائمًا متوهجًا، وقلبها ثابتًا، وعقلها واعيًا.
خلاصة:
لا تكن موسمياً ولا مزاجياً في طاعتك. اجعل كل يوم فرصة للتقرب إلى الله، وابتعد عن التوقف بسبب المزاج أو الظروف. الاستمرارية والثبات في العبادة تصنع قلبًا قويًا، وروحًا متصلة بالله، وحياة مليئة بالسكينة والرضا.
سؤال ختامي:
هل تستطيع أن تجعل طاعتك مستمرة وثابتة، بلا اعتماد على المزاج أو الظروف، لتبني علاقة حقيقية مستمرة مع الله؟