
«فرحٌ يخنق الروح: لا تفرح بالمعصية»
لا تفرح بالمعصية
ليست كل المعاصي سواء، وليس كل الذنوب تُكتب في صحائف الناس بالمداد نفسه. فهناك ذنب يفعله الإنسان، ثم يضيق صدره، ويحزن قلبه، ويشعر وكأن العالم صار أضيق من أن يتسع لروحه. هذا الذنب — رغم سواده — يظلّ أقرب إلى باب الرحمة؛ لأن الحزن الذي يولّده يذكّر القلب بأنه ما زال حيًّا.
وفي المقابل… هناك ذنب يفرح به صاحبه، يبتسم بعده، يشعر بانتصارٍ زائف، أو لذّة مؤقتة، أو شعور بالقوة، أو رغبة في تكرار ما حدث.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
ليس في الذنب نفسه… بل في الفرح به.
الفرح بالمعصية ليس ضحكة عابرة… بل إعلان هادئ بأن القلب بدأ يفقد حياءه.
فالحياء ليس صفة اجتماعية ولا سلوكًا محبّبًا فقط، بل هو روح الإيمان.
ومن ضاع منه الحياء مات فيه جزء من الإيمان دون أن يشعر.
حين يبتسم الخطأ… يموت جزء من النور
ليس من الطبيعي أن يضحك الإنسان بعد ذنبٍ يعلم أنه يغضب الله.
الضحكة هنا ليست ضحكة… بل علامة.
علامة تقول إن القلب بدأ يفقد حساسيته، بدأ يفقد تلك الشعرة الرقيقة التي تربطه بالله، بدأ يتعود شيئًا كان يخافه.
وهذه أخطر درجات القلب؛ لأن التعوّد مقدمة السقوط، والسقوط المتكرر مقدمة القسوة، والقسوة مقدمة للبعد.
لذلك قال بعض العلماء:
“خوفُ المؤمن بعد الذنب نعمة… وأمنُ العاصي بعد الذنب مصيبة.”
قصة رجل ضحك… فبكت روحه
كان هناك رجل نسمّيه سلمان.
لم يكن من أصحاب الكبائر، لكنه وقع في معصية صغيرة — كما ظن — وكانت لحظة ضعف.
لكن ما لم يتوقعه هو إحساس “الضحك” الذي جاء بعدها، ضحكة قصيرة لم ينتبه لها، خرجت منه تلقائيًا كنوع من الشعور بالإنجاز!
لكن تلك الضحكة كانت بداية النهاية.
عاد سلمان إلى البيت، وجلس على سريره، وبدأ يشعر بشيء غريب…
ليست ندامة مباشرة، بل شعور بأن “شيئًا غير طبيعي” حدث.
وقبل أن ينام، سمع في داخله صوتًا يشبه الهمس:
“كيف قدرت أن تضحك على ذنب؟
منذ متى صار الخطأ باعثًا للمتعة؟
منذ متى صرت تفرح بما يبكي قلبك؟”
استيقظ فجأة… وبدأ بالبكاء.
كان بكاء مرًّا، ليس بسبب الذنب، بل بسبب أنه ضحك — ولو دون قصد — على ما يغضب الله.
ظل يقول بعدها:
“أخشى الذنب الذي يجعلني أصمت… لكنني أخشى أكثر الذنب الذي يجعلني أبتسم.”
ومن يومها، لم يعد يفرح بشيء يبعده عن الله، حتى لو بدت لذّته كبيرة.
لماذا يعدّ الفرح بالمعصية أخطر من المعصية؟
- لأنه يشير إلى موت الحسّ الداخلي
حين يفرح الإنسان بالمعصية، فهذا يعني أنه قطع خطوة نحو القسوة، والقسوة بداية الهلاك. - لأنه باب للمجاهرة والإصرار
الفرح سرعان ما يتحوّل إلى رغبة في إظهار الخطأ، والتركيز عليه، وتكراره. - لأنه يسلب من الذنب قيمته الروحية كجرس إنذار
الذنب عادة يوقظك… لكن إن فرحت به، فهو يُخدّرك. - لأن الفرح يجعل الذنب يبدو “انتصارًا”
وهنا تبدأ النفس بالصعود على حساب روحها، حتى ترى الحرام شيئًا لا يستحق التوقف.
ذلك الشعور العجيب… ألم لذيذ يذبح الروح
هناك نوع من الفرح لا يظهر على الوجه لكنه يُحسّ في الداخل:
ذلك الشعور الخفي بأن “الإنسان استطاع أن يكسر حدًّا يعرفه”، أو “تجاوز شيئًا كان يخافه”، أو “حصل على رغبة محرّمة”.
هذا النوع من الفرح أخطر بكثير من الضحكة؛ لأنه فرح نفسي… لا جسدي، وهذا يفسد القلب أكثر مما يفسد الجوارح.
وقد قال الحسن البصري — رحمه الله — كلمة تهز القلوب:
“هانوا عليه فعصوه… ولو عزّوا عليه لعصمهم.”
أي أن من يفرح بالذنب هو الذي لا يرى قدر الله في قلبه.
علامات الفرح الخفي بالذنب
ليست كل أنواع الفرح صريحة، فبعضها صامت… لكنه أخطر:
- الاستهانة بالذنب: أن يقول الإنسان “ليست مشكلة، أمر بسيط”.
- حبّ العودة إليه: ولو مع شعور خفيف بالرغبة.
- شعور بالإنجاز: كأن الذنب أصبح خطوة لتحقيق رغبة داخلية.
- عدم الانزعاج من ارتكابه: وهذا أعلى مؤشر على موت الحياء.
هذه العلامات يجب أن تتوقف عندها الروح، لا لأنها دليل على السقوط، بل لأنها دليل على خطر أكبر من السقوط.
اقتباسات تحيي القلب
- “أخطر الذنوب ليست التي تؤلمك… بل التي تُسعدك.”
- “حين تفرح بالذنب، فإنك لا تفرح بالفعل… بل بتراجع روحك خطوة.”
- “المؤمن لا يفرح إذا أغضب الله، حتى لو اجتمعت الدنيا كلها على أن تمنحه لذّة.”
- “ليس سقوطك هو الخوف… الخوف أن تقوم من السقوط وأنت تبتسم.”
بين القلب والذنب… مساحة اسمها الخجل
الخجل من الله ليس شعورًا بسيطًا، بل مرآة للروح.
فمن خجل من ذنبه… اقترب.
ومن فرح به… ابتعد.
ولذلك كان العلماء يقولون:
“الحياء يحيي القلب كما يحيي الماء الزهرة.”
فإذا ضاع الحياء، ذبل القلب، ولو بدا قويًا في الظاهر.
والإنسان حين يذنب ثم يبكي، فهو يُعلن لله أنه خجل.
وحين يذنب ثم يفرح، فهو يُعلن — دون أن يشعر — أنه لم يعد يرى الذنب ذنبًا.
العودة تبدأ من لحظة الانتباه
قد يفرح الإنسان بالذنب يومًا ما… لكنه لحسن الحظ، يستطيع في أي لحظة أن يستيقظ.
أن يقول لنفسه:
“يا رب… أنا لست سعيدًا حقًا، أنا فقط هارب.”
الفرح بالمعصية ليس قدرًا أبديًا، بل مرحلة في القلب يمكن أن تتوقف. ويمكن أن تتحوّل، ويمكن أن تصبح بداية حزن جميل يقود إلى توبة صادقة.
والله — جل جلاله — يحب العبد الذي يعود، ويكره العبد الذي يتباهى.
السؤال الختامي
هل مرّ عليك ذنبٌ فرحت به يومًا… ثم اكتشفت أن تلك الفرحة كانت جرحًا في قلبك أكثر مما كانت لذّة؟
وإن تذكرت ذلك الذنب الآن… كيف تشعر؟