
بابٌ لا تُغلقه بيدك…
«لا تُصِرّ على المعصية»**
الإصرار ليس ذنبًا إضافيًا… بل هو الذنب الذي يُطفئ النور المتبقّي في القلب.
فالإنسان قد يخطئ، وقد يضعف، وقد يتعثّر، وهذا كلّه من طبيعة البشر، لكن الخطورة تبدأ حين يتحوّل الذنب إلى عادة، والعادة إلى إدمان، والإدمان إلى استهتار، والاستهتار إلى ظلمة لا يشعر بها صاحبها.
إنّ أعظم ما يقطّع الروح ليس فعل المعصية نفسها، بل فعلُها مرّة بعد مرّة، حتى يصبح القلب كمن فقد حساسيته، لا يهتز عند الوجع، ولا يتألم عند الخدش، ولا يشعر بالخطيئة وكأن شيئًا لم يحدث.
يقول ابن القيم:
“دوام المعصية على القلب أشدّ من وقوع المعصية عليه.”
لأنّ الوقوع لحظة… أما الإصرار فمسيرة.
كان هناك رجلٌ أعرف حكايته جيدًا…
ظلّ لسنواتٍ طويلة يؤذيه ذنب واحد، كان يقسم كل ليلة أنه سيتركه، ثم يعود إليه في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يتغيّر. كان يشعر أنّه يسقط من نفسه كلما عاد… وأن ذنبه صار يصنعه لا هو يصنعه.
وفي يوم جمعة، كان جالسًا في المسجد كعادته، يستمع إلى خطبة لم تختلف كثيرًا عن غيرها، لكنها جاءت على قدرٍ خفيّ. كان الخطيب يتحدث عن أثر الإصرار على القلب، ثم قال جملة واحدة تبدّل لها لون وجهه:
“ليس الخطر في أن تعصي… الخطر أن لا تشعر أنك عصيت.”
كانت كأنها وُجّهت إليه وحده.
يقول لي: “في تلك اللحظة شعرتُ أن قلبي عاد يتنفس، وكأن غيمة طويلة انزاحت عن صدري”.
خرج من المسجد وهو يبكي، لا لأنه مذنب… بل لأنه شعر بالذنب بعد انقطاع طويل.
ومن ذلك اليوم، لم يعد إلى ذنبه.
ليس لأنه قوي… بل لأن الله أيقظه.
وهذه هي الحقيقة يا محمد:
الندم حياة… والإصرار موت.
الإصرار يجعل الذنب صغيرًا في عين صاحبه…
حتى يصبح هينًا، عاديًا، مألوفًا، وكأن الإنسان تكيّف مع ظلامه.
وما خُوِّف الناس من المعاصي بقدر ما خُوّفوا من الاعتياد عليها.
وقد قيل:
“من كان البارحة يندم… ثم صار اليوم لا يشعر… فقد بدأ الطريق الأصعب.”
إنّ الله يحبّ العبد الذي يُجاهد، والذي كلما سقط قام، وكلما ضعف عاد، وكلما أغلق الشيطان بابًا دخل من باب الرحمة. أما من يُصر، فهو كمن يغلق الباب على نفسه ثم يقول: “لماذا لا أرى النور؟”
الإصرار هو أن تجعل المعصية جزءًا من يومك، لا حدثًا عابرًا.
والتوبة هي أن تجعل التراجع عنها جزءًا من حياتك، لا لحظة عاطفية مؤقتة.
وهناك فرق عظيم بين من يذنب ويستحي من الله…
وبين من يذنب ثم يبتسم في داخله وكأن شيئًا لم يمرّ.
الأول إنسان… والثاني يجاهد إنسانيته.
الأول يحتاج إلى دفعة رحمة… والثاني يحتاج إلى صدمة تنقذه.
ولهذا قال العلماء:
“من علامات موت القلب: أن يصبح الذنب مألوفًا.”
وعلى العكس… من علامات حياة القلب: الشعور بالضيق عند الخطأ، وخوف الروح من الاستمرار، واهتزاز القلب كلما اقترب من الحرام.
ولكي نفهم معنى الإصرار، علينا أن نفهم معنى التوبة.
ليست التوبة أن تبكي… ولا أن ترفع يديك في الليل…
التوبة الحقيقية أن تقرّر ألا تجعل الخطأ عادة.
قال رجل لشيخ:
– أتوب ثم أعود ثم أتوب ثم أعود… هل يقبلني الله؟
فقال الشيخ:
– “الله لا يملّ حتى تملّوا… أما الشيطان فيملّ سريعًا.”
ومعنى ذلك أن الله يحب المجاهد أكثر مما يحب الكامل.
لكن الخطر… كل الخطر… أن لا تجاهد أصلًا.
أن تستسلم.
أن تقول: “لن أتغيّر”.
أن تقنع نفسك أنّ الذنب جزء من شخصيتك، أو بيئتك، أو ظروفك.
هنا يبدأ الانحدار… وهنا يشتدّ ظلام الذنب على القلب.
والمؤمن الحقيقي ليس هو الذي يعيش بلا ذنوب، فهذا من المستحيل، بل هو الذي إذا ذنب… شعر، وإذا شعر… عاد، وإذا عاد… تطهّرت روحه، ولو بعد عناء.
إنّ الله لا يريد منك أن تكون ملاكًا…
يريدك أن تكون عبدًا يحاول.
والإصرار هو أن تتوقف عن المحاولة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يقف أمامه كل قلب بصدق:
“هل أصرّ على هذا الذنب… لأني لا أستطيع تركه؟
أم لأني لم أحاول حقًا أن أتركه؟”