دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

حين ترى المعصية على حقيقتها

أن يعلم العبد قُبح المعصية ودناءتها

المعصية ليست مجرد مخالفةٍ عابرة، ولا خطأ يُرتكب ثم يُنسى، بل هي انعكاسٌ لحالة القلب قبل أن تكون حركة للجوارح. كثير من الناس يعلمون أن المعصية محرّمة، لكن القليل فقط من يدرك قُبحها الحقيقي ودناءتها في ميزان الله وفي ميزان النفس الإنسانية السليمة. فالمشكلة ليست في غياب العلم بالحكم، وإنما في غياب البصيرة بحقيقة الذنب.

المعصية في أصلها موقف داخلي قبل أن تكون فعلًا خارجيًا؛ موقف يُقدِّم فيه العبد هواه على أمر ربه، ولذته العاجلة على كرامته الأبدية. وحين يضع الإنسان شهوته فوق طاعة الله، فإنه لا يعصي أمرًا فقط، بل يُسقط من قدر نفسه، ويقبل أن يكون تابعًا لرغبة زائلة بدل أن يكون عبدًا لرب عظيم.

قُبح المعصية يظهر حين تُنزَع عنها الزينة الكاذبة التي يضعها الشيطان والهوى. فالذنب لا يأتي غالبًا بصورته الحقيقية، بل يأتي مزيَّنًا: لحظة متعة، أو هروب من ألم، أو تحقيق رغبة. ولو كُشف الغطاء عن باطنه لرأى العبد فيه ظلمة، وندمًا، وذلًا لا يليق بكرامته.

المعصية دنيئة لأنها تُحوِّل الإنسان من موضع العزة إلى موضع الخفاء. الطاعة تُرفع الرأس، والمعصية تُحنيها. الطاعة نورٌ في الوجه وسكينة في القلب، والمعصية سواد في الروح وإن ابتسم صاحبها للناس. ولذلك قال بعض السلف: “إني لأعصي الله فأرى ذلك في خُلُق دابتي وزوجتي”، لأن أثر الذنب لا يقف عند لحظته، بل يمتد في الحياة كلها.

“المعصية تُضحكك لحظة، ثم تُبكيك طويلًا.”

ومن تأمل وجد أن المعصية لا تُعطي صاحبها ما وعدته به. تعده بالراحة فتمنحه القلق، وتعده باللذة فتترك خلفها فراغًا، وتعده بالنسيان فتورثه ثقل الذكرى. وما ذاك إلا لأنها مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل ما خالف الفطرة أورث ألمًا وإن طال زمنه.

ومن دناءة المعصية أنها تجعل العبد يستخف بنظر الله إليه. فلو أن إنسانًا عظيمًا يراك، لما تجرأت، فكيف وأنت تعلم أن الله يراك، يسمعك، ويعلم سرك وعلانيتك؟! إن هذا الاستخفاف هو جوهر القبح في المعصية، وهو الذي يجعل الذنب أكبر من حجمه الظاهر.

ثم انظر كيف تُورث المعصية قسوة القلب. القلب الذي يعتاد الذنب يفقد حساسيته، فلا يتألم لما كان يؤلمه سابقًا، ولا يخشع لما كان يهزه. وحين يقسو القلب، يصبح الرجوع أصعب، وتصبح الطاعة أثقل، وكأن المعصية تسرق من العبد أثمن ما يملك: قلبه الحي.

“أخوف ما أخافه عليك ليس الذنب، بل أن تألفه.”

ولو كان في المعصية خير لما حرّمها الله، ولو كان في الذنب صلاح لما نهى عنه الرحمن. لكن الله، برحمته، حمى عباده مما يفسد قلوبهم ويهدم إنسانيتهم. فكل نهي في الشريعة هو في حقيقته حماية، وكل أمر هو في جوهره تكريم.

وحين يعلم العبد قُبح المعصية، يسقط بريقها من قلبه. لا يحتاج عندها إلى صراع طويل، ولا إلى مقاومة مستمرة، لأنه ببساطة لم يعد يرى في الذنب شيئًا يُغري. فمن رأى السمّ على حقيقته، لم يحتج إلى من يمنعه من شربه.

إن إدراك دناءة المعصية هو أول باب السلامة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه بقية المعاني. فمن عظُم الله في قلبه، صغرت المعصية في عينه، ومن هانت عليه نفسه، هانت عليه أوامر ربه.

سؤال المقال: هل ترى المعصية على حقيقتها القبيحة، أم ما زالت متزيّنة في عينك؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة