
المقال الخامس: حين يَقصُر الأمل تستقيم الخطوات
قِصَر الأمل
قِصر الأمل ليس دعوةً لترك الحياة، ولا انسحابًا من عمارتها، بل هو وعيٌ عميق بحقيقتها. أن تعيش وأنت تعلم أن الوقت ليس ملكك، وأن الغد ليس مضمونًا، وأن ما بقي أقرب مما مضى. وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تتغير نظرة الإنسان إلى الذنب، فلا يعود يؤجّل التوبة، ولا يستهين بالمعصية، لأنه يدرك أن الفرص لا تتكرر إلى ما لا نهاية.
طول الأمل هو الوقود الخفي للمعصية. به يبرّر الإنسان لنفسه، ويؤجّل الرجوع، ويُسَوِّف التوبة. يقول: ما زال العمر طويلًا، سأصلح لاحقًا، سأستقيم حين أفرغ، سأعود حين أهدأ. وهكذا تتراكم الذنوب تحت مظلة التسويف، حتى يأتي الأجل بغتة، ويكتشف العبد أن “لاحقًا” لم تأتِ.
أما قصر الأمل، فيجعل الإنسان يقظًا. لا يعيش في رعب الموت، بل في وعيه. يزن أفعاله بميزان أدق، ويسأل نفسه قبل أن يُقدِم: هل يليق أن ألقى الله بهذا؟ هل أُحب أن يكون هذا آخر ما يُكتب لي؟
“من قصُر أمله، قلّت زلاته.”
قِصر الأمل يحرر القلب من الغرور، ويكسر حدّة الشهوة، لأن الشهوة تعيش على الوهم، ووهم البقاء. فإذا زال الوهم، ضعفت سيطرتها. ولهذا كان أكثر الناس جرأة على المعصية من ظنّ أن أمامه وقتًا طويلًا للتدارك.
وحين يستشعر العبد قرب الرحيل، لا يحتقر الذنب مهما صغر، ولا يستهين بالطاعة مهما بدت بسيطة. كلمة، نظرة، نية، كلها تصبح ذات وزن، لأن الميزان قريب، والعرض آتٍ لا محالة.
قصر الأمل لا يعني الحزن الدائم، بل يمنح للحياة قيمتها. فاللحظة التي تعيشها تصبح أغلى، والطاعة تصبح فرصة، والندم يصبح دافعًا لا قيدًا. يعيش العبد وهو يقول في نفسه: لعل هذه السجدة الأخيرة، لعل هذا الذكر الأخير، فكيف لا أُحسن؟
“إذا علم القلب قرب الرحيل، أحسن العمل.”
ومن أعظم ثمرات قصر الأمل أنه يمنع التمادي. فصاحب الأمل القصير لا يقول: ذنب صغير لا يضر، لأنه يعلم أن الذنوب لا تُقاس بحجمها فقط، بل بوقت ارتكابها. وما يدريك أن تُمهل بعدها؟
وقد كان السلف الصالح يعيشون قصر الأمل واقعًا، لا شعارًا. يخططون، ويعملون، ويجاهدون، لكن قلوبهم معلّقة بالآخرة. فلا يغترون بصحة، ولا يركنون إلى قوة، ولا يؤجلون توبة.
قصر الأمل يعيد ترتيب الأولويات. فيُقدَّم ما ينفع، ويُؤخَّر ما لا ضرورة له. تُترك المعصية لا لصعوبتها، بل لتفاهتها أمام ما هو أعظم. ويترك القلب ما لا يليق برحلة قصيرة إلى الله.
“ما ضاق وقتك عن الطاعة، إلا لأنك أطلت الأمل.”
وحين يجتمع قصر الأمل مع المعاني السابقة في هذه السلسلة—معرفة قبح المعصية، والحياء من الله، والخوف على النعم، ومعرفة العاقبة—يكتمل البناء الداخلي. فلا يعود الامتناع عن الذنب مجرّد مقاومة، بل يصبح اختيارًا نابعًا من بصيرة.
فالعاقل من استعدّ قبل الرحيل، والمؤمن من جعل من قصر الأمل حياة، لا كآبة. ومن علم أن لقاء الله قريب، استحيا أن يلقاه محمّلًا بما يكره.
سؤال المقال: لو علمت أن هذا اليوم هو الأخير، هل كنت ستؤجّل التوبة أو تُقدِم على المعصية؟