
ذنبٌ مستعجل وتوبةٌ مؤجلة
من أخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يرى الذنب قريباً، والتوبة بعيدة. أن تُلحّ عليه شهوة المعصية فيُسارع إليها، بينما يؤجّل الرجوع إلى الله كأنه يملك ضمان العمر، أو يثق أن باب التوبة سيظل مفتوحاً له متى شاء. وهنا يبدأ إغلاق باب التوفيق، لا بضربة واحدة، بل بتراكمٍ بطيء من التسويف والغفلة.
المشكلة ليست في الوقوع في الذنب وحده، فابن آدم خطّاء، ولكن الكارثة في الاستهانة به، وفي تأجيل التوبة بعده. حين يعتاد القلب هذه المعادلة المختلّة: أذنب الآن، وأتوب لاحقاً. فتصير التوبة مشروعاً مؤجلاً، لا فريضة عاجلة، ويصبح الذنب أمراً عادياً لا يوقظ خوفاً ولا يثير ندمًا.
قال بعض السلف: “إياك والتسويف، فإنه جنود إبليس”. فالتسويف لا يأتيك داعياً للمعصية صراحة، بل يهمس لك بالأمان: ما زال الوقت طويلاً، والله غفور رحيم، وستتوب حين تستقيم الظروف. لكنه لا يخبرك أن القلب يصدأ مع التكرار، وأن الذنب إذا لم يُقابل بتوبة عاجلة، خلّف أثراً يُضعف الإرادة ويطفئ نور البصيرة.
وما أكثر من يعرف قبح الذنب، ويستشعر خطورته، لكنه يؤخر التوبة لأنه لا يريد أن يتخلى عن لذة عابرة. فيجمع بين علم يُدينه، وهوى يقوده، وأملٍ كاذب يسكّنه. وهنا تتشكل أخطر حالات الحرمان؛ أن يرى الإنسان الطريق إلى الله، ويؤجل السير إليه.
إن تأخير التوبة ليس حياداً، بل اختيار سلبي له ثمن. فكل ذنب بلا توبة يوسّع المسافة بين القلب وبين التوفيق. ومع الوقت، لا يعود الذنب يؤلم، ولا التوبة تُلِح، بل يفقد القلب حساسيته، ويصير الرجوع ثقيلاً، والطاعة متعبة، والخير مؤجلاً دائماً.
وقد نبّه القرآن إلى هذا الخطر حين قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾. فالتوبة التي تُؤجَّل حتى تضيق اللحظة، ليست توبة اختيار، بل توبة اضطرار، وغالباً لا يُوفَّق صاحبها.
ومن قسوة هذا المسار أن الله قد يعاقب العبد على ذنبه بحرمانه من التوبة، لا لأن الرحمة ضاقت، بل لأن القلب أصرّ. فيُفتح له باب الذنب، ويُغلق عنه باب الرجوع، فيبقى يدور في الحلقة ذاتها، يطلب السعادة فلا يجدها، ويبحث عن الطمأنينة فلا يذوقها.
قال الحسن البصري: “إن العبد ليذنب الذنب، فيُحرم به قيام الليل”. والحرمان هنا ليس في قيام الليل وحده، بل في كل باب خير كان مفتوحاً ثم أُغلق بسبب ذنب استُصغر، وتوبة أُجّلت.
إن التوبة ليست حدثاً استثنائياً، بل عودة عاجلة، وانكسار صادق، وقرار لا ينتظر اكتمال الظروف. فالله لا يطلب من عبده عصمة، بل صدقاً. ولا يشترط زمناً طويلاً، بل قلباً حاضراً.
وفي ختام هذا الباب المؤلم، يبقى السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: كم ذنباً نُسارع إليه، وكم توبة نؤخرها، حتى أُغلق باب التوفيق ونحن نظن أن الوقت ما زال في صالحنا؟