
اليقين المنافي للشك
اليقين هو روح التوحيد، وعماده الذي يقوم عليه، وبدونه تبقى كلمة التوحيد جسدًا بلا حياة، وصوتًا بلا أثر. فليس المقصود أن ينطق العبد بالكلمة وهو متردّد، أو يحملها في قلبٍ متقلب، بل أن تستقر في أعماقه استقرارًا يطرد الشك، ويبدد الريب، ويمنح القلب طمأنينة لا تهزّها العواصف.
اليقين هو سكون القلب إلى ما آمن به، واطمئنانه إلى وعد الله وخبره، دون اضطرابٍ عند الفتن، ولا تزلزلٍ عند الشدائد. وهو مقامٌ عظيم لا يُنال بالدعوى، ولا يُورث بالتمنّي، وإنما يُبنى على العلم الصحيح، ويترسّخ بالمجاهدة، ويقوى بالعمل الصالح.
فالعبد قد يعلم معنى كلمة التوحيد، لكنه إن لم يبلغ بها درجة اليقين، بقي إيمانه هشًّا، يتأثر بأول شبهة، أو يضعف عند أول ابتلاء. ولهذا اقترن العلم باليقين، لأن المعرفة وحدها لا تكفي ما لم تصحبها طمأنينة قلبية وثقة راسخة بالله.
واليقين المنافي للشك يعني أن يقول العبد: «لا إله إلا الله» وهو موقن بأن الله هو الحق، وأن ما سواه باطل، وأن وعده صدق، وأن لقاءه آتٍ لا ريب فيه. فلا يتردد بين الحق والباطل، ولا يوازن بين رضا الله ورضا الخلق، ولا يجعل الإيمان خيارًا قابلًا للمساومة عند تعارض المصالح.
والشك مرضٌ خفيّ، إذا تسلّل إلى القلب أضعف العزيمة، وأربك القرار، وجعل صاحبه متقلّبًا لا يثبت على حال. قد يُظهر الطاعة، لكن قلبه معلّق بالحسابات، وقد يتكلم بالحق، لكن نفسه تلتفت إلى العواقب الدنيوية أكثر من نظرها إلى رضا الله.
أما صاحب اليقين، فله قلبٌ ثابت، وبصيرة نافذة، يرى بنور الله ما لا يراه غيره. يعلم أن الأسباب لا تعمل بذاتها، وأن النتائج بيد الله، وأن الخير فيما اختاره الله ولو خالف هوى النفس. ومن هنا كان اليقين أعظم ما يُعطاه العبد بعد الإيمان.
واليقين لا يعني غياب الابتلاء، بل حسن التعامل معه. فالموقن قد يمرض، ويُبتلى، ويُحزن، لكنه لا يجزع، ولا يتهم ربه، ولا يسيء الظن بحكمته. بل يرى في البلاء رسالة، وفي الشدة تربية، وفي التأخير لطفًا خفيًا.
ومن أعظم دلائل اليقين الرضا بالقضاء، والطمأنينة عند تقلب الأحوال. فمن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا، استراح قلبه من عناء الاعتراض، وسكن من ضجيج التساؤلات القلقة.
واليقين هو الذي يجعل العبد يعمل للآخرة وهو في الدنيا، ويرى ما عند الله أعظم مما في أيدي الناس. فلا تستهويه زخارف الحياة، ولا تُغريه المكاسب السريعة، لأنه ينظر بعين الآخرة، ويزن الأمور بميزان البقاء لا الفناء.
وفي زمن كثرت فيه الشبهات، وتعددت الأصوات، وصار الحق يُلبس ثوب الباطل، والباطل يُزيّن باسم الحرية أو العقل، صار اليقين ضرورةً لحفظ الإيمان. لأن من لا يقين له، يسهل سلبه، ومن لا ثبات له، تجرّه الرياح حيث شاءت.
واليقين يُغذّى بكثرة ذكر الله، وتدبّر القرآن، والتأمل في آياته الكونية والشرعية، ومجالسة الصالحين، ومحاسبة النفس. فكلما ازداد العبد قربًا من الله، ازداد يقينه رسوخًا، وكلما ابتعد، تسللت إليه الشكوك من حيث لا يشعر.
واليقين ليس مقامًا جامدًا، بل يتفاوت قوة وضعفًا؛ يقوى بالطاعة، ويضعف بالغفلة، ويترسّخ بالصبر، ويتصدّع بالإصرار على الذنب. ولهذا كان المؤمن الصادق دائم السؤال: رب زدني يقينًا، وثبّت قلبي على دينك.
ومن ثمرات اليقين الشجاعة في الحق، والصدق في الموقف، والسكينة عند المخاوف. فصاحب اليقين لا يخشى إلا الله، ولا يرجو إلا إياه، ولا يمدّ يده إلا إليه، لأنه يعلم أن مقاليد الأمور كلها بيده سبحانه.
فإذا استقرّ اليقين في القلب، صار التوحيد حياةً تُعاش، لا فكرةً تُحفظ، وصار الإيمان قوة دافعة، لا مجرد شعور عابر. وبهذا اليقين تتحقق العبودية الصادقة، وتُبنى النفس المستقيمة، ويثبت الإنسان على طريق الحق مهما طال أو اشتد.
السؤال: هل بلغ يقيننا بالله درجة تُثبّت قلوبنا عند الشدائد، وتجعلنا نختار رضاه ولو خالف أهواءنا، أم ما زال الشك يتسلل إلى إيماننا عند أول اختبار؟