دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

الإخلاص

الإخلاص هو قلب التوحيد النابض، وسرّ قبوله، وروحه التي إن غابت تحوّل العمل إلى جسد بلا حياة. وهو أن يتوجّه العبد بقصده كلّه إلى الله، فلا يطلب بعمله مدحًا من الناس، ولا مكانةً في القلوب، ولا حظًّا من حظوظ الدنيا، وإنما يبتغي وجه الله وحده، ورضاه، والقرب منه.

لإخلاص ليس أمرًا يسيرًا كما قد يُظن، بل هو من أشقّ المقامات على النفوس؛ لأن النفس بطبعها تحب الظهور، وتميل إلى الثناء، وتأنس بنظر الناس. ومن هنا كانت معركة الإخلاص معركة داخلية، لا يطّلع عليها أحد، ولا يعلم حقيقتها إلا الله. ولهذا قال بعض السلف: «ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي، إنها تتقلّب عليّ».

وحقيقة الإخلاص أن يستوي عند العبد مدح الناس وذمّهم، وإقبالهم وإعراضهم، ما دام الله عنه راضيًا. فإذا عمل العمل في الخفاء كما يعمله في العلن، وإذا ثبت على الطاعة ولو لم يره أحد، وإذا حزن على فساد نيته أكثر من حزنه على فساد عمله، فذلك دليل حياة الإخلاص في قلبه.

والإخلاص شرطٌ عظيم للانتفاع بكلمة التوحيد؛ لأن «لا إله إلا الله» تعني إفراد الله بالعبادة ظاهرًا وباطنًا. فمن أشرك مع الله غيره في القصد، أو التفت بقلبه إلى الخلق وهو يعمل، فقد نقض من كمال توحيده بقدر ما دخل على عمله من شوائب الرياء.

والرياء من أخطر آفات الأعمال، لأنه شركٌ خفيّ، يتسلل إلى القلب في صورةٍ مقبولة، وقد يأتي في لباس الدعوة أو النصيحة أو الإصلاح. يعمل الإنسان العمل، ثم يلتفت قلبه إلى نظرة، أو كلمة، أو إعجاب، فيفسد عليه عمله وهو لا يشعر. ولهذا كان الإخلاص أمانًا من هذا الداء الخفي.

والمخلص لا يترك العمل خوفًا من الرياء، ولا يعمل لأجل الناس، بل يعمل لله، ويجاهد قلبه أن لا يلتفت إلى سواه. فهو يعلم أن ترك العمل لأجل الناس رياء، وأن العمل لأجلهم شرك، وأن السلامة في صدق التوجّه لله وحده.

ومن علامات الإخلاص: محبة الخفاء، والبعد عن التصدّر، والحرص على سلامة القلب. فالمخلص يفرح إذا وُفّق لعملٍ صالح لا يعلمه أحد، لأنه أقرب إلى القبول، وأبعد عن آفات النفس. كما أنه لا يطلب من الناس جزاءً ولا شكورًا، ولا ينتظر ثناءً على طاعته.

والإخلاص لا يعني اعتزال الناس، ولا ترك الدعوة، ولا إهمال العمل الظاهر، بل يعني تصحيح القصد مع القيام بالواجب. فقد يكون العبد في موقعٍ ظاهر، أو عملٍ عام، ومع ذلك يكون مخلصًا إذا صحّت نيته، وراقب قلبه، ولم يجعل نظر الناس ميزان عمله.

ومن ثمرات الإخلاص البركة في العمل، وإن قلّ، والقبول في الأرض، وإن لم يسعَ إليه، والسكينة في القلب، وإن كثرت المسؤوليات. فالله إذا علم من عبده صدق التوجّه، فتح له أبواب التوفيق، وجعل عمله مباركًا مؤثّرًا.

كما أن الإخلاص يورث العبد قوّة في الثبات، لأنه يعمل لله لا لغيره. فلا تحبطه قلة النتائج، ولا تضعفه قسوة الطريق، لأنه يعلم أن الأجر على القصد، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

والإخلاص مقام يحتاج إلى تجديد دائم؛ لأن القلب يتقلب، والنية تتغير، والفتن تتنوع. ولهذا كان من دعاء الصالحين: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا».

فإذا استقرّ الإخلاص في القلب، صار التوحيد حيًّا في السلوك، وصار العمل عبادةً خالصة، وصار العبد حرًّا من أسر الخلق، متصلًا بالخالق، مستشعرًا نظر الله إليه في كل حين.

السؤال: هل نُراجع نياتنا قبل أعمالنا، ونجاهد قلوبنا لتكون خالصة لله، أم ما زالت أنظار الناس تسرق من أعمالنا أكثر مما نُدرك؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة