
الصدق هو تاج الإيمان، وميزان التوحيد، وجسر العبور بين ما يدّعيه اللسان وما يعيشه القلب ويترجمه العمل. ولا ينتفع العبد بكلمة التوحيد انتفاعًا حقيقيًا حتى يكون صادقًا فيها؛ لأن الله لا يقبل من الأقوال إلا ما وافقه صدق القلوب، ولا يزكّي من الأعمال إلا ما شهدت له النيات.
الصدق ليس خُلُقًا جزئيًا يُمارَس في بعض المواقف ويُترك في أخرى، بل هو منهج حياة، وحالة انسجام كاملة بين الداخل والخارج. الصدق أن تكون كما تقول، وأن تقول كما تعتقد، وأن تعمل بما تزعم أنك تؤمن به. فمن قال: «لا إله إلا الله» ثم ناقضها بسلوكه، أو كذّبها بأفعاله، أو هدمها بخياراته، فقد فرّغها من روحها، وإن ظل يرددها بلسانه.
وحقيقة الصدق مع الله أن لا يُظهر العبد خلاف ما يُبطن، ولا يلبس على نفسه ولا على غيره. أن يعترف بتقصيره، ويعلم موضع ضعفه، ولا يجمّل عيوبه باسم الحكمة أو الواقع. فالصدق يبدأ من الداخل؛ من صدق النية، وصدق التوجّه، وصدق العهد مع الله.
والصدق شرط عظيم من شروط الانتفاع بالتوحيد؛ لأن التوحيد عهد، والعهد لا يقوم إلا على الصدق. والله سبحانه يعلم السر وأخفى، فلا تنطلي عليه دعوى، ولا تخفى عليه خافية. فمن صدق مع الله صدقه الله، ومن نافق في قصده، افتضح أمره ولو بعد حين.
والكذب في باب التوحيد ليس بالضرورة أن يكون تصريحًا بالباطل، بل قد يكون في صورة ازدواجية؛ أن يظهر الإنسان التدين، ويُبطن التعلّق بالدنيا، أو يرفع شعار الإيمان، ويعيش بمنطق المصلحة المجردة، أو يتحدث عن الثبات، ويُساوم عند أول اختبار.
ومن أعظم صور الصدق: الصدق في الابتلاء. فالابتلاء يكشف حقيقة الإيمان، ويميز الصادق من المدّعي. عند الشدة، وعند التضييق، وعند تعارض الحق مع المصلحة، يظهر معدن القلوب. فالصادق يثبت، وإن تألم، والمدّعي يتراجع، وإن تكلّم طويلًا عن المبادئ.
والصدق مع الله يورث صدقًا مع النفس؛ فلا يخدع الإنسان نفسه بتبريرات زائفة، ولا يهرب من مواجهة تقصيره. والصادق مع نفسه أقرب إلى التوبة، وأسرع إلى الرجوع، وأصدق في الإصلاح، لأنه لا يبني حياته على الوهم.
كما أن الصدق يورث طمأنينة في القلب؛ لأن الكذب يرهق النفس، ويُدخلها في دوامة التناقض، بينما الصدق راحة، وإن كان مؤلمًا في بدايته. قال بعض الحكماء: الصدق يُنجي وإن خفتَ، والكذب يُهلك وإن طمعتَ.
والصادق في توحيده لا يتلوّن بتلوّن المصالح، ولا يغيّر موقفه بحسب الجمهور، ولا يجعل الحق تابعًا للهوى. فهو يعلم أن الله هو المطلع، وأن رضاه أولى من رضا الخلق، وأن الثبات على الحق أثمن من المكاسب الزائلة.
ومن علامات الصدق: الاستقامة في الخلوات، كما في الجلوات؛ لأن من كان صادقًا مع الله في السر، لم يحتج إلى أقنعة في العلن. ومنها أيضًا ثبات المبدأ، وقلة الالتفات إلى المدح والذم، والحرص على أن تكون الأعمال امتدادًا للإيمان، لا نقيضًا له.
والصدق لا يعني العصمة من الخطأ، بل يعني سرعة الرجوع عند الخطأ، والاعتراف به دون مكابرة. فالصادق قد يزلّ، لكنه لا يُصرّ، وقد يُقصّر، لكنه لا يُبرّر الباطل ولا يُزيّنه.
وفي زمن كثرت فيه الأقنعة، وتبدّلت فيه القيم، وصار الصدق يُتّهم بالسذاجة، صار الصدق في التوحيد عبادةً عظيمة، وجهادًا نفسيًا، وموقفًا شجاعًا. لأن الصادق يعيش مكشوفًا أمام نفسه وأمام ربه، لا يستتر بالزيف، ولا يطمئن إلى الخداع.
فإذا اجتمع الصدق مع العلم واليقين والإخلاص، استقام التوحيد في القلب، وصار الإيمان حقيقة تُعاش، لا شعارًا يُرفع. وحينها يكون العبد على طريق النجاة، مهما تعثّرت به الخطوات، لأن الصدق يعيده دائمًا إلى الجادة.
السؤال: هل نحن صادقون مع الله في إيماننا وتوحيدنا، أم أن بين ما نقوله بألسنتنا وما نعيشه بأفعالنا مسافة لا نحب أن نواجهها؟