
زينب ابنة رسول الله ﷺ رضي الله عنها
وفاءٌ لا ينكسر
لم تكن زينب رضي الله عنها مجرد كبرى بنات النبي ﷺ، بل امرأةً عاشت واحدةً من أعقد اللحظات في بدايات الدعوة، حين التقت رابطة الإيمان برابطة الزواج في زمنٍ لم تكن فيه الطرق واضحة بعد.
فقد آمنت بربها منذ اللحظة الأولى، بينما بقي زوجها أبو العاص بن الربيع على دين قومه سنواتٍ طويلة، فوجدت نفسها حائرة بين بيت النبوة الذي انطلقت منه رسالة السماء، وبين زوجٍ تحبه لم يدخل بعد في نور الإسلام.
فكانت حياتها في تلك المرحلة ابتلاءً بين الإيمان والوفاء، بين الثبات على الدين، والحفاظ على رابطة الزوجية، حتى أصبحت قصتها مثالًا نادرًا لامرأةٍ جمع قلبها بين صلابة العقيدة ورقّة الوفاء دون أن تفرّط في واحدٍ منهما.
حيث تزوّجت أبا العاص بن الربيع قبل البعثة، فلما بُعث النبي ﷺ أسلمت، وبقي زوجها على شركه، ومع ذلك لم يفرّق النبي ﷺ بينهما. وقد ضغطت قريش على أبي العاص ليطلّقها بعد إسلامها، وعرضوا عليه أن يزوّجوه أي امرأة من قريش، لكنه رفض ذلك وقال:
«والله لا أفارق صاحبتي».
ذكره ابن هشام في السيرة.
ثم وقعت غزوة بدر، فأُسر أبو العاص في الأسرى.
فلما بعثت زينب رضي الله عنها في فدائه، أرسلت قلادةً كانت لأمها خديجة رضي الله عنها، فلما رآها النبي ﷺ رقّ لها وقال:
«إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا».
ففعلوا.
سنن أبي داود (2692)، وصححه الألباني.
ثم اشترط النبي ﷺ على أبي العاص أن يرسل زينب إلى المدينة، ففعل، وقد وفّى بوعده، حتى قال النبي ﷺ في حقه:
«حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي».
رواه أبو داود وأحمد، وحسنه الألباني.
فهاجرت زينب رضي الله عنها إلى المدينة، لكنها تعرّضت في طريق هجرتها لأذى شديد من بعض المشركين، حتى سقطت عن بعيرها وأُصيبت إصابةً بالغة.
ذكره ابن إسحاق وابن سعد في الطبقات (8/36).
وبقي أبو العاص في مكة حتى خرج في تجارة إلى الشام، فلما مرّ بقرب المدينة اعترضت سرية للمسلمين عيره فأُخذ ماله، فدخل المدينة ليلًا مستجيرًا بزينب رضي الله عنها.
فلما أصبح النبي ﷺ خرج لصلاة الفجر، فنادت زينب من حجرتها بصوت يسمعه الناس:
«إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع».
فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال للناس:
«هل سمعتم ما سمعت؟».
قالوا: نعم.
قال: «قد أجرنا من أجارت».
سنن أبي داود (2694)، وصححه الألباني.
ثم عاد أبو العاص إلى مكة، فأدّى الأمانات التي كانت عنده للناس، ثم أعلن إسلامه، ورجع إلى المدينة، فردّه النبي ﷺ إلى زينب بالنكاح الأول.
سنن أبي داود (2240)، وصححه الألباني.
فكان وفاؤها له بابًا لعودته إلى الإسلام.
غير أن الابتلاء لم ينتهِ عند هذا الحد، فقد بقي أثر السقوط يوم هجرتها معها، ويذكر أهل السير أن تلك الإصابة ظلّت تؤثر في صحتها حتى مرضت بعد سنوات، وتوفيت رضي الله عنها في المدينة في السنة الثامنة للهجرة، وكان عمرها يومئذ نحو إحدى وثلاثين سنة.
وقد حزن النبي ﷺ لوفاتها حزنًا شديدًا، وحضر تجهيزها بنفسه، فدخل على النساء وهنّ يغسلنها، ووجّههنّ إلى كيفية غسلها، فقال:
«اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذنني».
فلما فرغن أعطاهن إزاره الشريف وقال:
«أشعرنها إياه».
أخرجه البخاري ومسلم.
فكان ذلك تكريمًا عظيمًا لها، إذ جعل النبي ﷺ ثوبه شعارًا في كفنها، وأشرف بنفسه على تجهيزها، وهو من أبلغ صور وفائه ورحمته بابنته.
خصائص امتازت بها:
- كبرى بنات النبي ﷺ.
- أولى بنات النبي ﷺ زواجًا.
- ثبتت على الإسلام وزوجها على الشرك سنواتٍ طويلة.
- أرسلت قلادة خديجة رضي الله عنها لفداء زوجها يوم بدر.
- هاجرت إلى المدينة وتعرّضت للأذى الشديد في طريق الهجرة.
- أصيبت يوم هجرتها وبقي أثر الإصابة معها حتى وفاتها.
- أجارت زوجها فأقرّ النبي ﷺ جوارها أمام المسلمين.
- كان وفاؤها سببًا في عودة زوجها إلى الإسلام.
- توفيت في حياة النبي ﷺ في السنة الثامنة للهجرة.
- كانت مثالًا للصبر والوفاء والثبات..
لم تكن زينب رضي الله عنها امرأةً كثيرة الظهور في المشاهد، لكنها كانت مثالًا صادقًا للوفاء الذي لا يطغى على الدين، وللثبات الذي لا يجفف الرحمة في القلب.
فكانت حياتها درسًا هادئًا في أن القلوب المؤمنة قد تُبتلى طويلًا، لكنها لا تفقد نورها، وأن الوفاء إذا اقترن بالإيمان صار طريقًا للهداية والسكينة
ابن المبارك