
من كهانة الجاهلية إلى نور الإسلام.
لم يكن التحوّل إلى الحقّ دائمًا طريقًا هادئًا، بل قد يبدأ بنداءٍ خفيّ، أو إشارةٍ غامضة، تهزّ القلب قبل أن تهدي العقل، وهكذا كانت قصة سواد بن قارب، الذي كان في الجاهلية كاهنًا، يأتيه رئيّه من الجن، حتى ساقه الله إلى الهداية سوقًا عجيبًا.
حُكي أنه وفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما دخل عليه وسلّم، قال له عمر: يا سواد، ما بقي من كهانتك؟ فغضب سواد، وقال: ما أظنك استقبلت بهذا أحدًا غيري! فلما رأى عمر ما في نفسه، قال: إن الذي كنا عليه من عبادة الأوثان أعظم من الكهانة، فحدّثني حديثك.
فقال سواد بن قارب:
يا أمير المؤمنين، كنتُ في الجاهلية كاهنًا، وكان لي رَئِيٌّ من الجن يأتيني بالأخبار، فبينما أنا في إبلي بأرض السراة، أرعاها، أتاني ليلةً وأنا بين النوم واليقظة، فركضني برجله وقال: قم يا سواد، فقد أتاك رسولٌ من لؤيّ بن غالب.
فقلت له متثاقلًا: دعني فإني ناعس، فانصرف وهو يقول:
عَجِبْتُ للجِنِّ وتَبْكارِها،
وشدِّها العِيسَ بأَكْوارِها
تَهوي إلى مكّةَ تَبغي الهُدَى،
ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها
فارحَلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍ
بَينَ روابيها وأحْجارِها
ثم أتاني في الليلة الثانية، فقال مثل ذلك، فقلت: دعني فإني ناعس، فانصرف وهو يقول:
عَجِبتُ للجِنّ وتَطْرابها
ورَحْلِها العيسَ بأقتابِها
تَهوي إلى مكّةَ تَبغي الهُدى
ما مُؤمنو الجنِّ كَكُذّابِها
فارحلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍ
لَيسَ قُدَاماها كأَذنابِها
ثم أتاني في الليلة الثالثة، فركضني وقال مثل ذلك، فقلت: إني ناعس، فانصرف وهو يقول:
عَجِبتُ للجنّ وإيجاسِها
وشَدِّها العيسَ بأحْلاسِها
تَهوي إلى مكّةَ تَبغي الهُدى
ما مُؤْمنو الجنِّ كأَرْجاسِها
فارْحَلْ إلى الصّفوَةِ من هاشِمٍ
واسْمُ بعَينَيكَ إلى رأْسِها
قال سواد:
فلما أصبحت، وقع ذلك في قلبي موقعًا شديدًا، فعلمت أن وراءه أمرًا عظيمًا، فشددت رحلي على ناقةٍ من خيار إبلي، وسرت مسرعًا حتى أتيت رسول الله ﷺ.
فدخلت عليه، فما إن رأيته حتى علمت أني قد وُجّهت إلى الحق، فأسلمت بين يديه، وبايعته على الإسلام والطاعة، ثم قلت:
أَتاني نَجِيِّي بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ،
ولم يَكُ فيما قَدْ عَهِدْتُ بِكاذِبِ
ثلاثَ لَيالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ:
أَتاكَ رسولٌ مِن لُؤَيِّ بنِ غالِبِ
فَأشهَدُ أنَّ اللَّهَ لا رَبَّ غَيْرَهُ،
وأنَّكَ مَأمونٌ على كلِّ غائِبِ
ثم قال:
فهذا خبري يا أمير المؤمنين، وبهذا هداني الله بعد أن كنت في ضلال، فالحمد لله الذي أبدلني بالإسلام خيرًا مما كنت فيه
🕌 كما جاء في كتاب جمهرة أشعار العرب — لأبي زيد القرشي (باب أشعار المخضرمين)
معنى قولهم: “رَئِيُّه من الجن”
الرَّئِيّ في لغة العرب: هو الجنيّ الذي يُلازم الإنسان ويكون له به اتصال، فيُخبره ببعض الأخبار أو يُلقي إليه أمورًا خفية، وكان هذا المصطلح يُستعمل كثيرًا في وصف الكُهّان في الجاهلية.
فيُقال:
- له رَئِيّ من الجن: أي له صاحب من الجن يرافقه.
- يأتيه رَئِيّه: أي يأتيه ذلك الجنيّ ويُحدّثه أو يُلقي إليه الأخبار
📚 المصادر:
دلائل النبوة — للبيهقي.
البداية والنهاية — لابن كثير.
الإصابة في تمييز الصحابة — لابن حجر.
🔻 تنويه علمي:
أصل مرور الرجل الذي كان كاهنًا على عمر رضي الله عنه ثابت في صحيح البخاري، وقد رجّح عدد من أهل العلم أنه سواد بن قارب، وأمّا تفاصيل قصة إسلامه، وأبياته، وخبر تابعه من الجن، فمروية في كتاب دلائل النبوة والتاريخ بطرقٍ فيها إرسال وضعف، يشدّ بعضها بعضًا، لكنها ليست على شرط الصحيح من حيث الإسناد