
(الجائزة العظيمة هي العتق من النار)
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
وأمّا آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار، واستوجب النار بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: «لله في كلّ ليلة في شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار، كلّهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره». خرّجه سلمة بن شبيب وغيره().
وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة؛ لأنّه يعتق فيه أهل الكبائر من الصّائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار. كما أنّ يوم النّحر هو العيد الأكبر؛ لأنّ قبله يوم عرفة، وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقا من النار منه، فمن أعتق من النّار في اليومين فله يوم عيد، ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد.
لمّا كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتّبا على صيام رمضان وقيامه، أمر الله عز وجل عند إكمال العدّة بتكبيره وشكره، فقال:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصّيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النّار، أن يذكروه ويشكروه ويتّقوه حقّ تقاته. وقد فسّر ابن مسعود -رضي الله عنه- تقواه حقّ تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر().
فيا أرباب الذّنوب العظيمة، الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يعتق فيها من النّار من ذي جريرة وجريمة، فمن أعتق فيها من النّار فقد فاز بالجائزة العميمة والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقه مولاه من النّار، إيّاك أن تعود بعد أن صرت حرّا إلى رقّ الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تتقرّب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!
| وإنّ امرأ ينجو من النّار بعد ما | تزوّد من أعمالها لسعيد |
فيا أيّها العاصي -وكلّنا ذلك- لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك. فأحسن الظّنّ بمولاك وتب إليه؛ فإنّه لا يهلك على الله إلاّ هالك.
| إذا أوجعتك الذّنوب فداوها | برفع يد في اللّيل واللّيل مظلم | |
| ولا تقنطن من رحمة الله إنّما | قنوطك منها من ذنوبك أعظم | |
| فرحمته للمحسنين كرامة | ورحمته للمذنبين تكرّم |
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النّار، وهي متيسرة في هذا الشهر. وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار.
وفي حديث سلمان المرفوع الذي في صحيح ابن خزيمة: «من فطّر فيه صائما كان عتقا له من النار. ومن خفّف فيه عن مملوكه كان له عتقا من النار». وفيه أيضًا: «فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربّكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما. فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربّكم فشهادة أن لا إله إلاّ الله، والاستغفار. وأمّا اللتان لا غناء لكم عنهما، فتسألون الله الجنّة، وتعوذون به من النار»().
فهذه الخصال الأربع المذكورة في هذا الحديث كلّ منها سبب للعتق والمغفرة.
فأمّا كلمة التوحيد؛ فإنّها تهدم الذّنوب وتمحوها محوا، ولا تبقي ذنبا، ولا يسبقها عمل. وهي تعدل عتق الرّقاب الذي يوجب العتق من النّار. ومن أتى بها أربع مرار: حين يصبح وحين يمسي، أعتقه الله من النار، ومن قالها خالصا من قلبه حرّمه الله على النار().
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.