دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

في كل مرةٍ يضعف فيها الإنسان أمام المعصية، لا يكون السبب دائمًا قوة الذنب، بل غالبًا هشاشة الحاجز الداخلي الذي كان ينبغي أن يمنعه. فالمعصية لا تقتحم القلب فجأة، وإنما تدخل من شقوقٍ صغيرة، تبدأ فكرة، ثم خاطرة، ثم تبرير، ثم خطوة… حتى يجد العبد نفسه حيث لم يكن يظن أنه سيصل يومًا.

لقد خلق الله الإنسان وهو يعلم ضعفه، ويعلم ميله، ويعلم حاجته الدائمة إلى ما يوقظه إذا غفل، ويمنعه إذا تهاون، ويعيده إذا ابتعد. ولذلك لم تكن الشريعة مجرد أوامر ونواهٍ، بل منظومة رحيمة لحماية القلب قبل الجسد، وصيانة الروح قبل السلوك. وكل نهيٍ في دين الله إنما هو سياج أمان، وكل أمرٍ هو باب نجاة.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعصية مألوفة، تُعرض بلا حياء، وتُبرَّر بلا خجل، وتُغلف بأسماءٍ براقة؛ صار من الضروري أن نعود خطوة إلى الخلف، لا لنعدّد الذنوب، بل لنسأل السؤال الأهم: لماذا نقع؟ ولماذا نُكرر؟ ولماذا نعلم ثم لا نعمل؟

هذه السلسلة لا تخاطب الإنسان بوصفه مذنبًا فقط، بل تخاطبه بوصفه قلبًا يبحث عن السلام. لا ترفع عصا الوعيد وحدها، ولا تكتفي بلغة الترغيب، وإنما تسعى إلى بناء وعيٍ داخلي يجعل المعصية ثقيلة على النفس، مكروهة في القلب، لا لأنها محرّمة فحسب، بل لأنها لا تليق بعلاقة العبد بربه.

إن أخطر ما في المعصية ليس فعلها، بل الاعتياد عليها. حين تتحول من زلّةٍ تُبكي، إلى ممارسةٍ لا تُحرّك في القلب شيئًا. حين يفقد الذنب قدرته على الإيلام، يبدأ الخطر الحقيقي، لأن القلب إذا لم يتألم، لم يتب، وإذا لم يتب، قسا، وإذا قسا، بَعُد.

ولذلك جاءت هذه المقالات الخمس لتعيد بناء الأساس، لا لعلاج العرض فقط. لتضع بين يديك مفاتيح إذا استقرت في القلب، أغلقت أبوابًا كثيرة دون صراع طويل، ودون معارك يومية مرهقة مع النفس.

سنقف أولًا عند حقيقة المعصية نفسها: قُبحها، ودناءتها، وحقيقتها التي تُخفى خلف لذةٍ عابرة. فكم من ذنبٍ لو رآه الإنسان على حقيقته، لاستحى أن يمدّ إليه يده. ثم ننتقل إلى الحياء من الله، ذلك الخُلُق العظيم الذي إذا سكن القلب، صار رقيبًا لا يغفل، وحارسًا لا ينام.

وسنتأمل في النعم التي نعيشها، لا من باب الخوف المرضي، بل من باب اليقين الواعي بأن النعمة أمانة، وأن الذنب ليس أمرًا معزولًا عن واقع الحياة، بل له أثر، وإن تأخر. ثم نقف مع حقيقة العقوبة، لا باعتبارها انتقامًا، بل عدلًا وتربية، لأن الله لا يترك عباده يفسدون أنفسهم دون تنبيه.

وأخيرًا، نصل إلى قصر الأمل، ذلك المعنى الذي يعيد ترتيب الحياة كلها. فطول الأمل هو الوقود الخفي للمعصية، وقصر الأمل هو الكابح الذي يمنع التمادي. حين يستشعر الإنسان قرب الرحيل، تتغير نظرته، وتخف شهوته، ويصبح للوقت وزن، وللقلب يقظة.

هذه السلسلة ليست دعوة إلى المثالية، ولا ادعاءً للطهارة، بل اعتراف صادق بضعف الإنسان، مع إرشاده إلى ما يقوّيه. هي محاولة لإعادة الإنسان إلى نفسه، ثم إلى ربه، دون قسوةٍ تُنفر، ولا تساهلٍ يُغري.

وإذا خرج القارئ من هذه المقالات وهو أكثر حياءً من الله، وأكثر وعيًا بنفسه، وأكثر حذرًا من ذنبه، فقد أدت هذه الكلمات رسالتها. فالهداية لا تكون دائمًا بقلب المسار كاملًا، بل أحيانًا بمنع خطوةٍ واحدة كانت كفيلة بأن تجرّ خطواتٍ بعده

رأي واحد حول “:.. خمسـة تمنع من الوقوع في المعصية ..:

  1. نِعم ما قرأت هذا اليوم ، بل منذ مدة ، و الله إنها لرسائل للعبد لو أراد أن يرى حقيقة المعصية و إقبال نفسه عليه، إنها رسائل حقيقية
    جزاك الله عنها كل خير

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

صُبح

لو أنّ اللغة لم تعرف ضمائر الغيبة، لماتت الذاكرة جوعًا، وأعلنت الكتابة إفلاسها

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة