
أخي المسلم:
الجاهل يشكو الله إلى الناس, وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه, فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم().
قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد عن الحد, كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت, وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟
| على ذا مضى الناس اجتماعٌ وفرقةٌ | ||||
| وميتٌ ومولودٌ وبشرٌ وأحزانُ | ||||
ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر, إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا, وإنما الإفراط فيه والتكليف, كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر, فإن هذا لا يرد فائتاً, لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العاقبة().
وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء: إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له, واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك, والباقي بعدك هو المأجور فيك, واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه().
وقال حسان بن أبي جبلة في قوله تعالى: } فَصَبْرٌ جَمِيلٌ{ قال: لا شكوى فيه().
والصبر مكانته عظيمة ومنزلته رفيعة كما قال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, فإذا قطع الرأس بار الجسم, ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا
صبر له().
وقال عمر بن الخطاب: وجدنا خير عيشنا بالصبر().
وذكر سلمان الفارسي أن رجلاً بسط له من الدنيا, فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله -عزّ وجل- ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بوري, فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط للآخر في الدنيا فقال لصاحب البوري: أرأيتك أنت على ما تحمد الله -عزّ وجل-؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه, قال: وما ذاك؟ قال أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يدك؟ أرأيت رجلك؟().
ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم, مقعد عريان, به وضح, وهو يقول: الحمد لله على نعمه, فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقى عليك من النعمة تحمد الله عليها؟ فقال له المبتلى: ارم ببصرك إلى أهل المدينة, فانظر إلى كثرة أهلها, أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري().
أي أن الله -جل وعلا- خصه بالبلاء ليمحصه ويطهره.
قال أبو الدرداء: من يتفقد يفقد, ومن لا يعد الصبر لفواجع الأمور يعجز().