
الانقياد التام لأمر الله ورسوله: الشرط السادس من لا إله إلا الله
إن كلمة التوحيد ليست مجرد اعتقاد في القلب أو قول على اللسان، بل هي التزام عملي يظهر في حياة المسلم كلها. لذلك كان من شروطها العظيمة الانقياد، أي الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، وقبول أوامره والانتهاء عن نواهيه من غير اعتراض ولا استكبار. وهو الشرط السادس من شروط “لا إله إلا الله”، الذي يجسد المعنى العملي للإيمان.
قال تعالى:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 54].
وقال سبحانه:
﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: 22].
وقال جل وعلا:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به” [حديث حسن].
معنى الانقياد
الانقياد هو الطاعة العملية، أن يذعن العبد لأوامر الله ورسوله، فيقبل ما أمر به ويجتنب ما نهى عنه. وهو أعمق من مجرد الرضا، إذ يشمل الطاعة في السر والعلن، في المنشط والمكره.
فمن قال “لا إله إلا الله” وهو ممتنع عن أداء الصلاة أو الزكاة أو ترك ما حرم الله عنادًا، لم يكن منقادًا حق الانقياد، وبالتالي لم يحقق شرط الكلمة.
صور الانقياد
- في العبادة: أن يصلي ويصوم ويحج ويزكي طاعة لله لا تقليدًا للناس.
- في التحاكم: أن يرضى بحكم الله ورسوله، ولا يفضل حكم البشر أو الأعراف على شرع الله.
- في الأخلاق والمعاملات: أن يلتزم الصدق والعدل والوفاء لأنه أمر الله، لا لمجرد المصلحة.
- في المحن: أن يصبر ويحتسب، مستسلمًا لقضاء الله راضيًا بحكمه.
الفرق بين الانقياد والإكراه
قد يخضع الإنسان لأمر قهري بلا رضا ولا قبول، فهذا ليس انقيادًا بل استسلام مكره. أما الانقياد المطلوب في التوحيد فهو طاعة عن رضا ومحبة، مقرونة بالتسليم الكامل لحكم الله ورسوله.
ثمار الانقياد
- تحقيق معنى العبودية: فالعبد لا يكون عبدًا إلا إذا سلّم نفسه لله في كل شأن.
- التمسك بالعروة الوثقى: كما قال تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾.
- طمأنينة القلب: لأن المستسلم لأمر الله يعيش راضيًا مطمئنًا.
- النجاة من الفتن: فمن جعل هواه تبعًا لشرع الله لم تجره الشهوات ولا الشبهات.
قدوة في الانقياد
- إبراهيم عليه السلام: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]. فكان مثالًا أعلى في الاستسلام، حتى بذل ابنه قربانًا طاعة لله.
- الصحابة رضي الله عنهم: حين نزل تحريم الخمر، أراقوها في الشوارع فور سماعهم الآية، دون جدال ولا تردد.
- الزبير بن العوام في حادثة الشراج، حين تحاكم مع رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حكم النبي بما يخالف هواه، قبِل وسلّم، فنزل قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك…﴾.
خطر ترك الانقياد
من أعظم صور الكفر أن يقول العبد “لا إله إلا الله” ثم يعرض عن حكم الله أو يعترض عليه أو يقدم غيره عليه. قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
فالإيمان الحق لا يجتمع مع الاعتراض على أمر الله ورسوله.
الخلاصة
الشرط السادس من شروط “لا إله إلا الله” هو الانقياد، وهو الوجه العملي للتوحيد. فمن شهد الكلمة ولم ينقد لأوامر الله ورسوله لم يحقق حقيقتها.
الانقياد يعني أن يكون قلبك ولسانك وجوارحك كلها مطيعة لله، لا تعترض ولا تتردد، بل تسلّم وتستسلم. عندها تكون صادقًا في شهادتك، وتكون من أهل “العروة الوثقى” التي لا انفصام لها.