
فرحٌ بالظلام
(الفرح بالخبث والخبثاء)
في بعض زوايا القلوب تنطفئ الفطرة حين يبهجها ما يُغضب الله، وحين يُسرّ الإنسان بخبثٍ أو ظلمٍ أو مكرٍ نال غيره.
ذلك الفرح هو أخطر ما يصيب النفس؛ لأنّه ليس فرحًا بعَرَضٍ من الدنيا، بل انحرافٌ في البوصلة، وعمى في القلب.
قال الله تعالى في شأن المنافقين:
{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}،
فأيُّ قلبٍ هذا الذي لا يفرح بخيرٍ يصيب الناس، بل يستبشر بشرٍّ يصيبهم؟!
هو فرحٌ لا يعرف النور، لأنه مولودٌ في الظلام، يعيش على أوجاع الآخرين، ويتغذى على سقوط الأبرياء.
الفرح بالخبث ليس فقط أن تُحب الشر، بل أن تُصفّق له حين ينتصر، وأن تبتسم حين يُهان الصالحون.
تراه فيمن يفرح بانتشار الفاحشة، أو يُعجب بدهاء الخائن، أو يُطربه سقوط المخلصين، كأنّ في انكسارهم شفاءً لضعفه الداخلي.
ذلك فرحُ الشيطان، لا فرح الإنسان.
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال:
“لا تُظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك.”
كأنّ الله يُنذرنا من هذا الفرح المريض، لأنّه يزرع في القلب بذرة قسوةٍ إذا نمت أحرقت صاحبه قبل غيره.
فمن فرح بشرٍّ نزل بغيره، لا ينجو من شرٍّ قادمٍ إليه.
انظر إلى إبليس حين أمره الله بالسجود، فأبى واستكبر، ثمّ لما أُخرج من الجنة لم يندم، بل ازداد خبثًا وفرحًا بإغواء آدم.
ذلك هو أوّل فرحٍ بالخبث في التاريخ: أن يجد المخلوق سروره في إفساد غيره.
ومنذ تلك اللحظة، ورجالُ إبليس من البشر يفرحون حين يسقط أحد في المعصية، أو يفشل في الطاعة، لأنّ ظلامهم لا يأنس إلا بظلامٍ آخر.
إن الفرح بالخبثاء ليس سوى ضعفٍ متزيّنٍ بالقوة.
من يُعجب بالمنافق لأنه “ذكيّ”، أو بالمحتال لأنه “شاطر”، إنما يُخفي إعجابه بعجزه عن أن يكون صالحًا مثله.
فهو يفرح بالشر لأنه لم يقدر أن يكون خيرًا.
والعجيب أن مثل هذا الفرح يُعمي البصيرة، فيجعل من الخبث بطولة، ومن الغدر دهاءً، ومن الظلم شطارةً.
في زمننا هذا، صار الناس يُصفّقون للمحتالين في المسلسلات، ويتداولون مكرهم على أنه ذكاء، ويُعجبون بالمخادع لأنه “أذكى من النظام”،
لكن لا أحد يتساءل: أيُّ ذكاءٍ ذاك الذي يُغضب الله؟
أهي عبقريةٌ أن تفسد الضمير؟ أم حيلةٌ أن تسرق الثقة من القلوب؟
قال أحد الصالحين: “من سرّه أن يُرى الخبثاء في نعيمٍ مؤقتٍ، فليعلم أنّه أحبّ ما أبغض الله.”
لأنّ الله لا يُحب الفساد، ومن أحبّ الفساد فقد خاصم خالقه في محبته.
يُروى أن رجلًا من أهل الصلاح رأى فاسقًا يضحك ويُباهي بمعصيته، فبكى.
قيل له: ما يبكيك؟
قال: “أبكاني أني رأيته يفرح بما يُبكي الملائكة.”
يا لجمال هذه الكلمة! إنها تُوجز مأساة هذا الفرح المريض: أن يضحك الإنسان بينما السماء تبكي.
والأدهى أن هذا الفرح لا يورث إلا خواءً.
فمن يجد لذّته في سقوط الآخرين، يكتشف مع الوقت أنه صار أسيرًا لظلامه، لا يفرح إلا إذا حزن غيره، ولا يهدأ إلا إذا تألم الناس.
وهذا عقابٌ نفسيّ قبل أن يكون إثمًا شرعيًّا، لأن القلب الذي اعتاد الفرح بالخبث لا يعرف معنى السلام.
أيها الإنسان، إن أردت أن تعرف نقاء قلبك، فانظر ممّ تفرح.
هل تُبهجك الطاعة أم المعصية؟
هل تأنس بصدق الناس أم بخداعهم؟
هل يفرحك أن ينجو مظلومٌ، أم أن يسقط منافسك؟
الفرح بالخير علامةُ إيمان، والفرح بالشر علامةُ خللٍ في الفطرة.
فاحذر أن يُصبح قلبك مرآةً تُعجب بالقبح، وتستوحش من النور.
إن الفرح بالخبثاء لا يُفسد المجتمع فحسب، بل يُميت فيك إنسانيتك.
قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}
فالفرح بالشر لا يدوم، والظلام لا يملك إلا أن يبتلع من يرقص فيه.
فيا من تُسرّ حين ترى الفساد منتصرًا أو الشر متبسمًا،
تذكّر أن فرحك اليوم قد يكون بكاؤك غدًا.
فهل تساءلت يومًا: ماذا يقول الله عن فرحك هذا؟