دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

النعمة لا تأمن الذنب

يقين العبد أن النعم التي هو فيها تزول بمعصية الله

النعمة في حقيقتها ليست امتلاكًا، بل أمانة. وما أكثر من ظنّ أن ما بين يديه حقٌّ مكتسب، أو استحقاق دائم، فنسي أن النعم تُعطى بحكمة، وتُحفَظ بشكر، وتُنزَع بعدل. إن من أعظم ما يمنع العبد من الوقوع في المعصية أن يوقن يقينًا صادقًا أن الذنب لا يمرّ بلا أثر، وأن النعم لا تعيش في بيئة المعاصي طويلًا، وإن تأخر التغيير.

الناس غالبًا لا يربطون بين الذنب وزوال النعمة، لأنهم يتوقعون العقوبة فورية، فإذا لم تقع ظنّوا أن الأمر قد سُمح به، أو أن الله غافل، وحاشاه سبحانه. لكن سنّة الله أعمق من ذلك؛ فهو يُمهل ولا يُهمل، ويؤخر العقوبة رحمة أو استدراجًا أو ابتلاءً، حتى إذا جاء الأوان جاء بميزان العدل.

وزوال النعمة لا يعني دائمًا اختفاءها الظاهري، فقد تبقى في اليد وتُنزَع من القلب. يبقى المال ولا تبقى بركته، تبقى الصحة ولا تبقى لذتها، يبقى الأمن وتغيب الطمأنينة. وذلك من أخطر أنواع الزوال، لأن العبد حينها لا يدرك ما فُقد، لكنه يشعر بثقلٍ خفيّ لا يفهم سببه.

“المعصية تسرق من النعمة روحها قبل أن تسرق صورتها.”

إن النعمة حين تُقابَل بالجحود، أو تُستعمل في معصية الله، تبدأ رحلة الانسحاب البطيء. فالله لا يسلب فجأة إلا إذا شاء، لكنه كثيرًا ما ينزع التوفيق أولًا، ثم البركة، ثم الاطمئنان، حتى يتعجب العبد: كيف ضاق صدري وأنا في سعة؟ وكيف تعقّدت أموري وأنا لم أفقد شيئًا ظاهرًا؟

وما ذاك إلا لأن المعصية ليست فعلًا معزولًا عن نظام الحياة، بل خلل في العلاقة مع المنعِم. وإذا اختلّت العلاقة، اضطرب العطاء. فالطاعة شكر عملي، والمعصية كفران خفي، وإن لم ينطق به اللسان.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، فربط بين الكفران والتبدّل، وبين المعصية وتغيّر الحال.

“النعم تُقيَّد بالشكر، وتُطلَق بالمعصية.”

إن اليقين بزوال النعمة لا يولّد الخوف المرضي، بل الحذر الواعي. يجعل العبد أمينًا على ما أُعطي، متأدبًا مع ما في يده، لا يُفرّط ولا يغتر. فالنعمة التي أورثت كِبرًا أو غفلة ليست نعمة خالصة، بل اختبارًا مؤجل النتائج.

وكثيرًا ما تكون المعصية سببًا في حرمان نعمة لم تأتِ بعد. فيُحرم العبد توفيقًا كان قريبًا، أو باب خير كان مفتوحًا، أو طمأنينة كان على وشك أن ينالها. فيعيش يتساءل: لماذا تأخرت أموري؟ ولماذا أُغلقت الأبواب؟ وهو لا يعلم أن الذنب كان أثقل مما ظن.

إن من أعظم الفقه في الدين أن يعلم العبد أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. فالتحوّل الداخلي يسبق التحوّل الخارجي، والذنوب الصغيرة إذا استُخفّ بها صارت سببًا لحرمان كبير.

“احذر الذنب في زمن النعمة، فإن سقوطه أقسى.”

وحين يستقر هذا اليقين في القلب، يتحول إلى رادع صامت. فإذا عُرضت المعصية، لم يسأل العبد فقط: أهي حرام؟ بل يسأل: ماذا ستفعل هذه المعصية بنعمة الله عليّ؟ هل تستحق لذتها العابرة أن أُغامر بما أعيش فيه من ستر وخير؟

وهكذا تصبح النعمة حارسًا، ويصبح الشكر سلوكًا، وتتحول الطاعة من واجب ثقيل إلى حفاظٍ على ما نحب. فالعاقل لا يُفرّط بما يملك، والمؤمن لا يُغامر بعلاقةٍ يعلم أن حياته كلها قائمة عليها.

سؤال المقال: لو عُرضت عليك معصية الآن، هل تفكّر في أثرها على نعم الله عليك ؟

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة