
فاطمة بنت محمد رضي الله عنها
سيدةُ نساءِ أهلِ الجنة
لم تكن فاطمة رضي الله عنها مجرد ابنةٍ للنبي ﷺ، بل كانت قطعةً من قلبه، وروحه التي تمشي على الأرض، كانت أقرب الناس إليه شبهًا، وأصدقهم خُلقًا، وأعمقهم اتصالًا به، حتى كان إذا رآها، قام لها، واستقبلها بمحبة الأب، وتقدير النبي.
قال النبي ﷺ:
«فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني».
أخرجه البخاري ومسلم.
نشأت رضي الله عنها في بيتٍ لم يعرف الترف، بل عرف الدعوة، والصبر، والأذى، رأت أباها يُكذَّب، ويُؤذى، ويُحاصر، وكانت شاهدةً على أصعب مراحل الدعوة، ومع ذلك بقي قلبها ثابتًا، ونفسها صابرة.
وكانت أحبّ بناته إليه، وأقربهنّ منه، وأشدّهنّ شبهًا به، حتى قالت عائشة رضي الله عنها:
«ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا برسول الله ﷺ من فاطمة».
دلًّا»: أي الأسلوب في الحركة والكلام
وكان ﷺ إذا دخلت عليه، قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وإذا دخل عليها، قامت إليه، وقبّلته، في مشهدٍ يكشف عمق المحبة، وعلوّ مكانتها.
أخرجه الترمذي وصححه الألباني
ومن أعظم المواقف التي تُظهر خصوصيتها عنده ﷺ، أنه لما دخل عليه مرضه الذي توفّي فيه، دعاها، فأسرَّ إليها حديثًا فبكت، ثم أسرَّ إليها حديثًا فضحكت، فلما سُئلت عن ذلك، قالت: أخبرني أولًا بقرب أجله فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت.
أخرجه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ:
«ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟»
أخرجه البخاري ومسلم.
وكان لها شرفٌ لم يكن لأحدٍ من نساء العالمين، وهو أن الله جعل نسل النبي ﷺ وذريته ممتدةً من خلالها، فلم يبقَ للنبي ﷺ عقبٌ إلا من طريقها، عن طريق ابنيها الحسن والحسين رضي الله عنهما، فكانت أمًّا لنسل النبوة، ووعاءً لبقاء ذريته إلى قيام الساعة.
ومن مواقف رحمته بها وتربيته لها، أنها جاءت تشكو إليه ما تلقى من التعب في خدمة بيتها، وتسأله خادمًا، فلم يعطها خادمًا، بل أعطاها ما هو خير وأبقى، فقال: «إذا أويتما إلى فراشكما، فسبّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم».
أخرجه البخاري ومسلم.
ومن أعظم دلائل دفاعه عنها ﷺ، أنه لما أراد عليّ رضي الله عنه أن يتزوّج ابنة أبي جهل، قام النبي ﷺ خطيبًا وقال: «إن فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها، ويريبني ما أرابها»، فكان ذلك بيانًا لمكانتها العظيمة، وحرصه على صون قلبها ومشاعرها.
أخرجه البخاري ومسلم.
وكانت أيضًا أقرب أهله به لحاقًا به، فلما مرض ﷺ، أخبرها سرًّا فبكت، ثم أخبرها سرًّا فضحكت، فلما سُئلت، قالت: أخبرني أنه سيموت فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحاقًا به فضحكت.
أخرجه البخاري في صحيحه.
خصائص امتازت بها:
- ابنة النبي ﷺ وأحبّ بناته إليه.
- قال عنها ﷺ: «فاطمة بضعة مني»، بيانًا لقربها ومكانتها.
- سيدة نساء أهل الجنة بنص الحديث الصحيح.
- كانت أشبه الناس بالنبي ﷺ خَلقًا وخُلقًا وهديًا.
- كان النبي ﷺ يقوم لها إذا دخلت، ويقبّلها، ويجلسها في مكانه.
- جعل الله ذرية النبي ﷺ ممتدةً من طريقها وحدها.
- كانت من أهل الكساء الذين خصّهم النبي ﷺ بالدعاء والتكريم.(1)
- تزوّجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من خير رجال الأمة.
- كانت أم الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة.
- دافع عنها النبي ﷺ علنًا، وبيّن أن إيذاءها إيذاء له.
- كانت أول أهل النبي ﷺ لحاقًا به بعد وفاته.
ولم تعش بعده طويلًا، بل كان شوقها إليه أعظم من أن تحتمل البقاء، فلحقت به بعد ستة أشهر فقط، وكأن حياتها كانت مرتبطة به وجودًا وغيابًا، فكانت ابنته في الدنيا، وسيدة نساء الجنة في الآخرة، وأمّ ذريته التي بقي بها نسبه، وامتدّ بها أثره، وبقي ذكره في العالمين.
- (1) المقصود ب: «كانت من أهل الكساء» أن فاطمة رضي الله عنها كانت ضمن الخمسة الذين جمعهم النبي ﷺ تحت كسائه، وخصّهم بدعاءٍ عظيم، وبيّن مكانتهم الخاصة وقربهم منه.
ومعنى «الكساء»: هو الرداء أو العباءة التي وضعها النبي ﷺ عليهم فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ جمع تحت كسائه: عليًّا، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم، ثم قال:
«اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا».
أخرجه مسلم في صحيحه