
صفية بنت حيي رضي الله عنها
من بيت العداوة إلى بيت النبوة
لم تكن صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها مجرد امرأةٍ دخلت بيت النبوة، بل كانت قصةً من قصص التحوّل العظيم، من بيتِ عداوةٍ إلى بيتِ نبوة، ومن فقدٍ موجعٍ إلى اصطفاءٍ كريم.
كانت ابنةَ حيي بن أخطب، سيدِ بني النضير وزعيمهم، ثم كان من كبار زعمائهم بعد انتقالهم إلى خيبر، فنشأت في بيتِ سيادةٍ ورياسةٍ في قومها.
رأت قبل إسلامها رؤيا عجيبة، قالت: رأيتُ كأن قمرًا وقع في حجري، فذكرتُ ذلك لزوجي، فلطم وجهي وقال: أتمنّين مَلِكَ يثرب؟
وفي رواية أن النبي ﷺ رأى بعينها خُضرةً، فقال: «ما هذه؟» فأخبرته بخبر اللطمة.
أخرجه ابن حبان، وحسَّنه الألباني.
وكأن القدر كان يُمهِّد لها طريقًا لم تكن تعلمه، حتى إذا جاءت غزوة خيبر، قُتل أبوها وزوجها في المعركة، ووقعت في السبي، فاختارها النبي ﷺ لنفسه، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها.
قال أنس رضي الله عنه: «أعتقها وجعل عتقها صداقها».
متفق عليه
فلم يكن زواجها غلبةً، بل كان تكريمًا وعتقًا، وتحويلًا لقدرٍ ثقيلٍ إلى بدايةٍ جديدة، فدخلت بيت النبوة أمًّا للمؤمنين.
قالت: «كان رسولُ الله ﷺ من أبغضِ الناسِ إليَّ، قتل أبي وزوجي، فما زال يعتذر إليَّ ويقول: إن أباكِ ألَّب عليَّ العرب وفعل وفعل، حتى ذهب ذلك من نفسي».
أخرجه ابن حبان، وحسَّنه الألباني.
وفيه دلالةٌ على سموِّ خلق النبي ﷺ في تأليف القلوب، ورفقه في معالجة الجراح، وأن زواجه بها لم يكن قهرًا ولا غلبةً، بل كان بعد إسلامها، وزوال ما في نفسها، ورضاها به زوجًا، حتى استحقت شرف أمومة المؤمنين.
ولم تُسلم صفية رضي الله عنها من أذى الغيرة أو همزات النظرات، حتى قيل لها: يا يهودية بنت اليهودي، فوقع في قلبها من ذلك حزنٌ عظيم، فهي وإن أسلمت وطهّر الله قلبها بالإيمان، بقيت جراح الماضي تستثار بكلمة.
فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فما وبّخ، ولا عاتب، ولا ترك الموقف يمرّ صامتًا، بل جبر خاطرها بكلماتٍ تُعيد إليها عزّها، وتُطفئ نار الحزن في صدرها، فقال لها: «إنكِ لابنةُ نبي، وإن عمَّكِ لنبي، وإنكِ لتحت نبي»
أخرجه الترمذي، وصححه الألباني
فجمع لها ﷺ شرف النسب، وكرامة العمومة، وعزّ الزوجية، ليعلّم الأمة أن الميزان عند الله هو الإيمان، وأن من دخل في الإسلام صادقًا طوى الله عنه ما كان قبله، ورفعه بالإيمان درجات.
جاءت صفية رضي الله عنها ليلةً تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فلما همّت بالعودة قام معها يرافقها حتى يبلغ بها باب بيتها، فرآه رجلان من الأنصار يمشي معها ليلًا، فأسرعا حياءً، فخشي ﷺ أن يلقي الشيطان في قلبيهما خاطرًا عابرًا، فبادر يقطع مادة الظن، ويعلّم الأمة أهمية صيانة السمعة، ويوضح الأمر قبل أن تُفتح أبواب الريبة.
فعن صفية رضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدّثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»
فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا».وفي رواية شرًا
متفق عليه.
لم يكن ذلك لإبعاد الشبهة عن نفسه، فمكانته أعلى من الظنون، ولكنه تعليمٌ للأمة أن السمعة تُصان، وأن أبواب الريبة تُغلق قبل أن تُفتح
ومن أعظم مواقفها الثابتة، أنها لما استُشيرت في شأن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها في حادثة الإفك، قالت كلمة إنصافٍ خالدة:
«يا رسول الله، ما علمتُ عليها إلا خيرًا».
أخرجه البخاري.
خصائصُ امتازت بها:
- ابنةُ سيدِ بني النضير وأحد كبار زعماء خيبر، ويجتمع نسبها في أنبياء بني إسرائيل من ذرية هارون عليه السلام.
- رأت رؤيا كانت بشارةً بقدرٍ عظيم قبل إسلامها.
- أعتقها النبي ﷺ وجعل عتقها صداقها، فكان في ذلك تكريمٌ ظاهر ورفعٌ لمكانتها.
- دافع عنها النبي ﷺ وثبّت كرامتها حين عُيِّرت بأصلها.
- شهدت بالعدل والإنصاف في حادثة الإفك.
- عُرفت بالحلم وكظم الغيظ مع ما لقيته من الغيرة.
- كانت عاقلةً فطنة، تشارك في بعض الغزوات وتخدم النبي ﷺ.
- عُرفت بالبرّ والصدقة والإحسان.
- روت عددًا من الأحاديث عن النبي ﷺ.
- كانت من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ودُفنت في البقيع في جوارهن.
هكذا تحوّلت صفية رضي الله عنها من بيتِ زعامةٍ إلى بيتِ نبوة، ومن رؤيا خفيّةٍ إلى قدرٍ مكتوب، فكانت شاهدًا على أن القلوب بيد الله، وأن الاصطفاء فضلٌ يؤتيه من يشاء.
ابن المبارك